قد يرى النائم شعر أمه في المنام طويلًا أو مصففًا أو أبيض أو متساقطًا، وهي صورة ترتبط بأقرب الناس إلى القلب، ولذلك قد تترك أثرًا عاطفيًا بعد الاستيقاظ. غير أن المشهد رمزي في الأصل، ولا يُفهم على أنه خبر حرفي عن حال الأم أو عن أمر سيقع. وتتبدل قراءته بحسب هيئة الشعر وصلة الرائي بأمه وحاله. وفيما يلي عرض هادئ لوجوه المعنى المحتملة بعيدًا عن الجزم والتهويل.
الأم في الأحلام ترمز عادة إلى الحنان والرعاية والأصل والأمان، وإلى الذكريات الأولى وما يعطي الإنسان شعورًا بالانتماء. والشعر يرمز إلى الهيئة والعناية بالنفس والزينة والعمر والهموم. فاجتماعهما قد يشير إلى صورة الأم في ذهن الرائي وما يربطه بها من مشاعر الدفء والاحترام. وقد يشير إلى حنين إلى بيت الأسرة وأيامه. وقد يعبّر عن رغبة في الاطمئنان عليها أو التواصل معها. وقد يدل كذلك على تأمل الرائي في ما ورثه عنها من خصال.
نُسب إلى ابن سيرين أن الأم في الرؤيا تتصل في الجملة بالأصل والدنيا والمعيشة وما يمنح الإنسان الأمان، وأن الشعر يتصل بالمال والهيئة والأحوال، فيُقاس اجتماعهما بحسب حال الرائي. وذهب النابلسي في بعض ما نُقل عنه إلى أن للأقارب في الرؤيا وجوهًا تختلف بحسب ما يعرض لهم من زينة أو تغير، ويرجع التفصيل إلى السياق. وتتفاوت آراء الشارحين في ذلك، ولا يوجد قول واحد متفق عليه. والرموز الدقيقة الأقل شيوعًا، ومنها شعر الأم تحديدًا، أقل تناولًا في الكتب القديمة، فتبقى الأقوال اجتهادًا عامًا.
السياق يوجه المعنى توجيهًا كبيرًا. فإن كان شعرها جميلًا مرتبًا وهي مبتسمة، فالأقرب أن الحلم يعبّر عن اطمئنان ودفء. وإن كان مشعثًا أو متساقطًا وهي متعبة، فقد يعبّر عن قلق الرائي عليها أو عن شعور بالتقصير تجاهها. وإن كان الرائي يمشط شعرها أو يساعدها، فقد يدل على رغبة في رد الجميل وإظهار العناية. ويؤثر المكان، فبيت الأسرة يوحي بالذكريات، والمكان الغريب يوحي بتغير الظروف.
في رؤية العزباء قد يتصل الحلم بعلاقتها بأمها وحاجتها إلى مشورتها ودعمها في مرحلة تتخذ فيها قرارات، أو بانشغالها بصورة الأم التي تتمنى أن تكونها يومًا ما. أما المتزوجة فقد يتصل الحلم عندها بحنينها إلى بيت أهلها وبتأملها في دورها كأم أو ابنة، وقد يدفعها إلى زيارة أمها أو الاتصال بها. وهذه كلها احتمالات عامة، وليس في الحلم ما يدل على شيء يخص سلوك أحد.
وللرجل قد يتصل الحلم بعلاقته بأمه وبرغبته في برّها وصلتها والاطمئنان عليها، أو بحنينه إلى أيام الأسرة. وقد يعبّر عن شعور بالتقصير يدفعه إلى مزيد من الاهتمام. وفي رؤية الحامل غالبًا ما يعبّر الحلم عن حاجتها إلى سند أمها ورعايتها في هذه الفترة، وعن تأملها في معنى الأمومة. ولا يحمل المنام خبرًا بعينه عن الحمل أو الولادة.
من التفاصيل الدقيقة لون الشعر وطوله وهيئته. فالشعر الأبيض قد يرتبط بالخبرة والوقار والزمن، والداكن بالحيوية، والمصفف بحسن الهيئة والاعتناء. وإن كان الشعر طويلًا فقد يوحي بذكريات ممتدة، وإن كان قصيرًا فقد يوحي بمرحلة مختلفة. وإن رآها الرائي تعتني بشعره هو فقد يتصل الأمر بحنانها الأول عليه. وإن رآها تعتني بنفسها فقد يعبّر عن اطمئنانه لحالها.
ومن زوايا القراءة أن يسأل الرائي نفسه متى آخر مرة تحدث فيها مع أمه أو جلس إليها. فقد يكون الحلم تذكيرًا لطيفًا بالتواصل، أو صدى لحنين عابر، أو انعكاسًا لمشاعر لم يعبّر عنها. وفي الحالات التي تكون فيها الأم بعيدة أو بين الرائي وبينها مسافة، قد يعبّر الحلم عن رغبة في القرب. وكل ذلك صورة لشعور الرائي، وليس ادعاءً بشيء عن حال أحد.
نفسيًا، قد تعبّر هذه الأحلام عن حاجة إلى الأمان أو عن شوق إلى حنان الأسرة. ويفيد الرائي أن يتواصل مع أمه إن أمكن بكلمة طيبة أو زيارة أو اتصال، وأن يحمل هذا الحنين إلى عمل طيب في حياته. والحلم ليس نصيحة طبية، فإذا كان هناك تغير حقيقي في صحة أحد من الأسرة فالمناسب مراجعة طبيب مختص لا الاكتفاء بتأويل منام.
هذا كله اجتهاد بشري ظني، يحتمل الصواب والخطأ، فلا يُجعل أساسًا لقرار مهم. وحسن الظن بالله يمنح القلب سكينة، فليدعُ الرائي لأمه بالصحة والعافية والخير وليقل اللهم اجعله خيرًا. والغيب لا يعلمه إلا الله، فلا حاجة إلى القلق من صورة عابرة. وليحرص الرائي على البر والإحسان في القول والعمل.
