قد يرى الإنسان في منامه أنه يقف في صفوف طويلة متراصة في المسجد الحرام، يصلي خلف إمام صوته يملأ المكان، وحوله وجوه من كل لون ولسان، وكلهم متجه إلى جهة واحدة. وهذا المشهد يترك في النفس شعورًا بالوحدة والانتماء والسكينة. وهو من الرؤى التي يتمناها كثيرون، وقد تأتي نتيجة اشتياق أو ذكرى لزيارة سابقة. ومع ذلك فإن الحلم رمز لا يُحمل على ظاهره، وتفسيره اجتهاد ظني لا يُجزم به. وفيما يلي بعض المعاني العامة التي قد تُقرأ في هذه الصورة، على سبيل الرجاء وحسن الظن.
صلاة الجماعة في الرؤى ترمز إلى الاجتماع على الخير والوحدة والانتظام والتعاون، والاتجاه إلى قبلة واحدة. ويرمز الحرم والكعبة إلى الأمان والتوبة والقرب من الله، ويرمز الحج والعمرة إلى بدء صفحة جديدة وإجابة الدعاء وأداء ما في الذمة. فإذا اجتمع ذلك كله في مشهد واحد، فقد يُفهم منه رغبة الرائي في الانتماء إلى جماعة صالحة تعينه على الخير، أو شعوره بالاطمئنان إلى أن له مكانًا بين الصالحين. وقد يدل على حاجة إلى الصحبة الطيبة وإلى الأنس بالجماعة بعد وحشة، أو على رغبة في التزام أكثر بالصلاة مع الناس. وقد يكون كذلك صورة لوحدة داخلية بعد تشتت.
نُسب إلى ابن سيرين أن الصلاة في المنام تدل على الخير وأداء الأمانة وقضاء الحاجة في الجملة، وذهب بعض المفسرين إلى أن الصلاة مع الجماعة تدل على الاجتماع على أمر محمود وعلى صحبة صالحة. وذهب النابلسي في بعض ما نُقل عنه إلى أن الصلاة في الأماكن الشريفة تدل على الأمان وحسن الحال وعلى قبول العمل على سبيل الرجاء. وتتفاوت هذه الأقوال في ثبوتها وفي مراد أصحابها، ويختلف أهل التأويل في تفصيلها، ولذلك فهي معانٍ عامة تُذكر للاستئناس والتأمل، ولا يُبنى عليها حكم قاطع بحق أحد، ولا تُعدّ وعدًا بشيء، فالأمر كله ظني.
يتغير المعنى بتغير حال المصلي وما حوله. فإن صلى بخشوع في صف مستقيم مع جماعة، فقد يرمز إلى استقامة وتناغم مع محيطه. وإن كان في الصف الأول أو قريبًا من الإمام، فقد يرمز إلى سعي في الخير ومسابقة إليه. وإن كان في الصفوف الخلفية، فلا يحمل ذلك دلالة سلبية، فقد يعكس تواضعًا أو حياء. وإن تأخر عن الجماعة في الحلم، فقد يشير إلى قلق من التقصير، ويدعو إلى المبادرة. وإن صلى في زحام شديد بسكينة، فقد يرمز إلى ثبات وسط المشاغل. وإن رأى الإمام بوجه مألوف، فقد يرمز إلى قدوة أو مرشد في حياته. والعبرة بالشعور بعد الاستيقاظ.
وللفتاة غير المتزوجة قد يدل الحلم على رغبتها في صحبة صالحة وبيئة تعينها على الخير، وعلى رجاء في الأنس والطمأنينة. وللمرأة المتزوجة قد يدل على رغبتها في اجتماع أسرتها على الصلاة والخير، وسكينة ووحدة في البيت. وللرجل قد يدل على حاجة إلى الصحبة الصالحة وحضور الجماعة ومجالس العلم، أو على رغبة في الانتماء والعمل الجماعي. وللحامل قد يحمل معنى الأنس والطمأنينة والدعاء بالخير. وللمريض قد يحمل معنى الأمل في الاجتماع بالأحباب على الخير بعد الشفاء، والصبر على الوحدة. وهذه كلها قراءات رجائية ظنية، لا يُبنى عليها قرار، ولا تغني عن أي واجب أو سبب.
ومن الجزئيات التي تُعين على التأمل: هل رأى الرائي الصفوف مستقيمة منظمة، فقد يرمز ذلك إلى انتظام أمره. وهل رأى الأطفال أو كبار السن بين المصلين، فقد يرمز إلى تنوع الأجيال في الخير. وهل كان يعرف من حوله أم كلهم غرباء، فمعرفتهم قد ترمز إلى أهل وأصدقاء، وغربتهم إلى انتماء أوسع. وهل كانت الصلاة طويلة أم قصيرة، وهل شعر بالراحة أثناءها. وقد ترى القراءة المؤثرة أو الصوت العذب، وهذا يعكس أثر الذاكرة. ولا يصح أن يُفتى بناء على الحلم في أي حكم يتعلق بالصلاة أو الأماكن، فالأحكام تُؤخذ من مصادرها المعروفة.
وأما الجانب الروحي والعملي، فالحلم لا يقوم مقام صلاة الجماعة في اليقظة، ولا يغني عن أي واجب، وليس في رؤية الصلاة في الحرم ضمانة بزيارته، ولا شهادة بقبول أو منزلة. وقد يكون فيه تذكير لطيف بقيمة الجماعة والأخوة. فليجعل الرائي من هذا الحلم دافعًا إلى حضور صلاة الجماعة في المسجد القريب ما استطاع، وإلى مصاحبة الصالحين، وإلى تفقد إخوانه وجيرانه، وإلى إصلاح ذات البين. وليحرص على أن يكون ممن يسدّ الفرجات ويلين لإخوانه بحسن خلقه. وإن كان ينوي الحج أو العمرة فليحسن نيته، وليسأل الله التيسير.
وفي الختام، فإن هذا التفسير اجتهاد بشري ظني قد يصيب وقد يخطئ، ولا يصح أن يكون أساسًا لقرار حقيقي في المال أو السفر أو الزواج أو العمل. والأولى أن يقابل الرائي الحلم بالدعاء وحسن الظن بالله، وأن يحمده على ما رأى من خير. والغيب لا يعلمه إلا الله وحده، وهو العليم بقلوب عباده وبما تنطوي عليه صدورهم. فمن أحسن الظن بربه وأخلص في عمله مع الجماعة وجد في ذلك أنسًا وبركة، فليطمئن القلب وليتفاءل الإنسان بالخير إن شاء الله.
