يرى بعض الناس في منامهم أنهم يقفون أمام الكعبة المشرفة فتنهمر دموعهم دون أن يملكوا أنفسهم، ثم يستيقظون وقد خفّ في صدورهم ثقل كان يضغط عليهم. وهذا الحلم من أكثر الأحلام تأثيرًا في النفس، لأن البكاء فيه مرتبط بمكان يعظّمه المسلمون ويتعلقون به. ومع ذلك فإن الحلم رمز لا يُحمل على ظاهره، وتفسيره اجتهاد ظني، وقد تتداخل فيه الذكريات والحنين والتعب النفسي. فلنتأمل ما قد يعنيه هذا المشهد على سبيل الرجاء وحسن الظن، دون أن نجعله حكمًا أو خبرًا مقطوعًا به.
البكاء في المنام قد يحمل معاني متعددة بحسب نوعه، فالبكاء الهادئ الذي لا صراخ فيه ولا ألم شديد يُحمل في الغالب على الفرج وزوال الهم وانشراح الصدر، وهو مألوف في تعبير الرؤى. والكعبة ترمز إلى الاتجاه الصحيح والتوبة والقرب من الله والأمان وإجابة الدعاء. فإذا اجتمع هذا البكاء مع رؤية الكعبة، فقد يدل على قلب يتوب ويتخفف من ثقله، أو على اشتياق صادق لا يجد له كلامًا، أو على رحمة تُلقى في النفس بعد جفاف. وقد يعكس الحلم كذلك رغبة في تفريغ ما كتمه الرائي من حزن لم يجد له مجالًا في اليقظة.
نُسب إلى ابن سيرين أن البكاء بلا صوت ولا نياحة يدل على الفرج والسرور، وأن رؤية الكعبة تدل على الخير والأمان في الجملة. وذهب بعض المفسرين إلى أن البكاء من خشية الله في المنام يدل على أمن مما يخاف وعلى توبة تقبل بإذن الله. وذهب النابلسي في بعض ما نُقل عنه إلى أن البكاء الذي لا يصحبه عويل يدل على الانفراج، وأن الأماكن المقدسة تدل على الدين وصلاح الحال. وتتفاوت هذه النقول في صحة نسبتها، ويختلف أهل التأويل في بعض تفصيلاتها، ولذلك فهي تُذكر للاستئناس لا للجزم، وللتذكير بأن الأصل في الباب حسن الظن.
يتغير المعنى بحسب نوع البكاء وسببه. فإن بكى من الخشوع والشوق فهو أقرب إلى الفرج وصفاء القلب وصدق التوبة. وإن بكى من الحزن والغم فقد يرمز إلى تفريغ ما يحمله من هموم، فيكون الحلم أقرب إلى المتنفس النفسي. وإن بكى من الفرح، فهو يوحي بسرور وبشرى. وإن بكى بصوت عالٍ جدًا ثم هدأ، فقد يعبّر عن ضيق شديد يعقبه راحة. وإن لم يستطع البكاء وأحس بجفاف، فقد يرمز إلى قسوة في الحال تحتاج إلى علاج بالذكر والاستغفار، لا إلى حكم على النفس. وإن رأى غيره يبكي حوله، فقد يرمز إلى جو من الرحمة العامة.
وللفتاة غير المتزوجة قد يدل الحلم على قلب رقيق يتعلق بربه وعلى انفراج ما يثقلها من هم أو انتظار، مع الدعاء والصبر. وللمرأة المتزوجة قد يدل على تفريغ ضغوط البيت ومسؤولياته، وعلى رجاء في سكينة وصلاح حال الأسرة. وللرجل قد يدل على توبة وتخفف من أعباء نفسية أو مالية، وعلى لحظة صدق مع النفس. وللحامل قد يدل على تقلبات المشاعر المصاحبة لهذه المرحلة، وعلى رجاء في عاقبة طيبة. وللمريض قد يدل على تفريغ الألم النفسي وطلب الرحمة، ويدعوه إلى الصبر وحسن الظن بالله. وكل هذه المعاني على سبيل الرجاء لا القطع.
وفي دقائق الحلم أمور تساعد على الفهم، منها: هل كانت الدموع حارة أم هادئة، وهل شعر الرائي بالراحة بعد البكاء أم بالتعب، وهل كان أحد يواسيه. فإن شعر بالراحة فالأقرب أنها رؤية انفراج. وهل كان يدعو أثناء البكاء، فقد يرمز ذلك إلى دعاء مستجاب بإذن الله. وهل كان في الحلم زحام من حوله أم خلوة، فالخلوة قد تدل على مناجاة خاصة. ومكان الوقوف أمام الكعبة قد يضيف دلالة على مدى القرب. وكل ذلك للتدبر، ولا ينبغي أن يُثقل الرائي به نفسه، فالأصل أن يستفيد من الأثر الطيب الذي تركه الحلم.
وأما من الناحية الروحية والعملية، فالحلم لا يقوم مقام أي عبادة ولا ينوب عن أي واجب، وليس البكاء في المنام دليلًا على قبول ولا شهادة بمنزلة عند الله، كما أنه ليس ضمانًا بأن الرائي سيقف أمام الكعبة في اليقظة. والخشوع الحقيقي يُترجم إلى عمل، من صلاة وإحسان وصدق مع الناس. فليستثمر الرائي رقة قلبه في الاستغفار وقيام الليل ما استطاع، وفي صلة الرحم وإصلاح ما بينه وبين الناس. وإن كان في قلبه ذنب يثقله فليبادر بالتوبة النصوح، فباب الله مفتوح، والله يقبل التوبة عن عباده ويحب من أقبل إليه.
وفي الختام، فإن ما ذُكر اجتهاد بشري ظني قد يصيب وقد يخطئ، ولا يصلح أن يكون أساسًا لقرار حقيقي في المال أو السفر أو العلاقات أو العلاج. والأولى أن يقابل الرائي الحلم بالدعاء وحسن الظن بالله، وبحمده على نعمة رقة القلب. والغيب لا يعلمه إلا الله وحده، وهو الأعلم بما تخفي الصدور وما تذرفه العيون. فمن لجأ إليه صادقًا وجد عنده سكينة، ومن أحسن الظن به أحسن الله إليه بإذنه، وكفى بالله وليًّا ورحيمًا.
