قد يرى الإنسان الذي يعاني من ضيق في صدره أو همّ في حياته أنه يؤدي الحج، فيشعر وهو يطوف أو يقف أو يدعو أن الثقل ينزاح عنه رويداً رويداً. وقد يستيقظ منه بروح أخف أو بدموع تنفيس، وربما يحتار هل هو بشارة أم مجرد أمنية. وهذا الحلم يأتي غالباً عند من يمر بأزمة نفسية أو مادية أو أسرية ويلتمس راحة. ولا بد من التنبيه إلى أن الرؤيا رمز لا يُحمل على ظاهره، وكل تأويل اجتهاد غير ملزم.
الحج والعمرة في المنام يدلان في الأصل على التوبة وتجديد النية والقرب من الله والفرج بعد الضيق وأداء الأمانة. وعند من يعاني من ضيق يغلب معنى الفرج والسكينة والحاجة إلى مأوى روحي، فالنفس المتعبة تبحث عن مكان آمن تلجأ إليه، والكعبة في وجدان المسلمين رمز للأمن والطمأنينة. فقد يكون الحلم ترجمة لهذا الاشتياق إلى الأمان، وتعبيراً عن رغبة في أن يرمي الإنسان همومه بين يدي ربه.
ونُسب إلى ابن سيرين في بعض ما نُقل عنه أن الحج يدل على زوال الهم وقضاء الحاجة وانكشاف الكرب لمن كان صالحاً. وذهب النابلسي في بعض ما نُقل عنه إلى أن رؤية الكعبة والطواف تدل على الأمان والطمأنينة والتوبة. وتختلف أقوال المفسرين في تحديد ما يدل عليه الحلم بدقة، فبعضهم يحمله على الفرج القريب وبعضهم على مجرد تسلية للنفس. وكل ذلك يُنقل بحذر ويبقى في دائرة الاحتمال.
ويتغير معنى الحلم بحسب ما يعانيه الرائي. فإن كان ضيقه من همٍّ مادي فقد يرتبط الحلم برجاء الرزق والتيسير. وإن كان من خلاف أسري فقد يرتبط بالرغبة في الصلح وصفاء القلب. وإن كان من قلق نفسي أو خوف فقد يرتبط بحاجته إلى الأمان. وإن كان من فقد عزيز فقد يكون الحلم حنيناً وسلوى. وفي كل هذا يظل الأثر الطيب في النفس هو الأهم.
وللرجل الذي أثقله العمل قد يعبر الحلم عن حاجته إلى فسحة روحية، وللمرأة المرهقة بمسؤوليات البيت قد يعبر عن رغبة في السكينة، وللشاب الحائر قد يعبر عن بحث عن اتجاه، وللمسن قد يعبر عن رجاء. وللمريض قد يعبر عن أمل، وللحامل عن طمأنينة. وهذه الاحتمالات ينبغي أن تُقرأ بقلب هادئ لا بقلب مضطرب، فالضيق نفسه قد يضخم المعاني ويجعل صاحبه يتشبث بكل إشارة.
ومن التفاصيل التي تعين على فهم الحلم ما شعر به الرائي عند رؤية الكعبة، فالبكاء قد يعبر عن تنفيس، والصمت قد يعبر عن خشوع، والابتسام قد يعبر عن انشراح. وإن رأى نفسه يلقي حملاً عن كتفيه فقد يدل على رغبته في التخفف. وإن رأى ضوءاً أو نسيماً بارداً فقد يرمز إلى راحة النفس. وإن كان الزحام شديداً ثم انفرج فقد يعبر عن ضيق يعقبه سعة. وكل ذلك صور رمزية لطيفة.
ومن الجانب الروحي والعملي، لا يغني الحلم عن علاج الضيق بأسبابه، فمن كان ضيقه نفسياً شديداً فليستعن بأهل الاختصاص وبمن يثق بهم من أهله وأصدقائه، فطلب المساعدة ليس عيباً ولا ينافي الإيمان. ومن كان ضيقه مادياً أو أسرياً فليأخذ بأسباب الحل وليستشر أهل الخبرة. ويجمع المؤمن بين الأخذ بالأسباب والدعاء والتوكل. والذكر والصلاة وقراءة القرآن والمشي في الهواء الطلق والنوم الكافي والكلام مع الأحبة كلها وسائل تخفف الضيق بإذن الله.
وليس في الحلم ما يدل على أن الضيق عقوبة أو علامة غضب، فالابتلاء يصيب الصالحين والمقصرين، وفيه أجر وتكفير لمن صبر. وليحذر الإنسان من الظن السيئ بنفسه أو بربه، فالله أرحم بعباده. وإن غلبه اليأس فليتذكر أن الأيام دول وأن مع العسر يسراً. ويحسن أن يتحدث إلى من يطمئن إليه ويدعو له.
وفي الختام، فإن هذا التفسير اجتهاد بشري ظني قد يصيب وقد يخطئ، ولا يجوز أن يُبنى عليه قرار حقيقي طبي أو مالي أو حياتي. فالغيب لا يعلمه إلا الله وحده، والفرج بيده سبحانه. فليدع الرائي ربه أن يفرج همه، وليحسن الظن به، وليأخذ بالأسباب، ثم يتوكل عليه.
ومن المفيد لمن يمر بضيق طويل أن يقسم همومه إلى ما يقدر على تغييره وما لا يقدر، فيبذل جهده في الأول ويسلم أمره لله في الثاني. وهذا التقسيم يخفف كثيراً من الإرهاق الذهني، ويجعل الدعاء أصدق والتوكل أعمق. ولا بأس أن يكتب ما يشغله على ورقة ويراجعه بهدوء ثم يبدأ بخطوة صغيرة. فالفرج غالباً ما يأتي بعد سلسلة من الخطوات الصغيرة الصابرة، لا دفعة واحدة. وبذلك يتحول الحلم إلى دعوة عملية للتخفف والبدء من جديد.
وليعلم كل من ضاقت به الدنيا أن الدعاء في السجود والسكون في جوف الليل من أقرب ما يكون به القلب من ربه، وأن الله سميع قريب مجيب لمن دعاه بصدق ورجاء.
