قد يرى الإنسان الميسور الحال أنه يؤدي الحج، فيقف في المشاعر ويطوف ويشعر بتواضع كبير أمام عظمة المكان. وقد يستيقظ وفي قلبه خاطر يتعلق بماله وما عليه من حقوق، أو شعور بأن النعمة التي بين يديه تحتاج إلى شكر. وهذه الرؤيا مألوفة عند من أنعم الله عليه برزق واسع، فيجد في نفسه ميلاً إلى مراجعة علاقته بالمال وبربه. وكعادتنا نؤكد أن الرؤيا رمز لا يُحمل على ظاهره، وأن التأويل اجتهاد غير ملزم.
الحج والعمرة في المنام يدلان في الأصل على التوبة وتجديد النية والقرب من الله والفرج وأداء الأمانة. وعند الغني تتجه هذه المعاني غالباً إلى الأمانة المتعلقة بالمال، وإلى شكر النعمة ومراجعة وجوه الإنفاق وأداء الحقوق الواجبة والمستحبة. فالمال في الإسلام أمانة يُسأل عنها صاحبها، والحلم قد يكون تذكيراً لطيفاً بذلك. وقد يرمز كذلك إلى رغبة في أن يكون الغنى وسيلة إلى الخير لا غاية في ذاته، وإلى حاجة القلب إلى طمأنينة لا يمنحها المال وحده.
ونُسب إلى ابن سيرين في بعض ما نُقل عنه أن الحج يدل على الخير وقضاء الحاجة وأداء الأمانة لمن كان صالحاً. وذهب النابلسي في بعض ما نُقل عنه إلى أن رؤية الحج تدل على الوفاء بالنذور والعهود والتوبة. وفسّر بعضهم رؤية الغني للحج بأنها قد تدل على بركة في ماله أو على تحذير من التقصير في حقه، وهذا من اختلافهم الذي لا يُجزم به. فالمعاني تتنوع بحسب حال الرائي ونيته، ولا يصح أن يُنسب إليهم قول قاطع.
ويتغير معنى الحلم بحسب مشاعر الرائي. فإن كان مطمئناً متواضعاً فذلك أقرب إلى الشكر والصفاء. وإن كان قلقاً أو مثقلاً فقد يعبر ذلك عن انشغال البال بأمواله ومسؤولياته. وإن رأى نفسه يتخلى عن مظاهر الترف في الإحرام فقد يعبر ذلك عن شعور بالمساواة وزوال الفوارق، وهو معنى جميل. وإن رأى نفسه يعين الناس في الحلم فقد يدل على كرم نفسه ورغبته في العطاء.
وللتاجر قد يعبر الحلم عن مراجعة أمانته ومعاملاته وسلامة كسبه، وللموظف الكبير عن مسؤوليته تجاه من يعمل معه. وللمرأة الميسورة قد يعبر عن رغبتها في الصدقة والإحسان وصلة الرحم. وللشاب الذي ورث مالاً قد يعبر عن تأمل في كيفية استعماله. ولمن يعيش في بحبوحة من العيش وفي قلبه فراغ قد يكون الحلم نداء إلى ما يسد ذلك الفراغ من القرب من الله. وكل ذلك تأملات محتملة لا يُجزم بها.
ومن التفاصيل التي ينظر إليها المعبرون: هل كان الرائي في الحلم بين الفقراء أم بين الأغنياء، فإن كان بين الفقراء فقد يرتبط بحاجته إلى التواضع. وهل كان ينفق أم يمسك، فالإنفاق قد يدل على سخاء، والإمساك قد يعكس خوفاً أو حرصاً. وهل كان المكان مريحاً أم مزدحماً، فقد يدل على ما يمر به من راحة أو عناء. وهذه الدلائل لا تحمل أحكاماً، وإنما هي مرآة لما في النفس.
ومن الجانب الروحي والعملي، لا يغني الحلم عن الواجبات المالية والشرعية، ولا يعد حجاً ولا يُحتسب به، ولا هو حكم على منزلة أحد عند الله. فمن كان مستطيعاً ووجد في نفسه رغبة في الحج فليسأل أهل العلم عن أحكامه وليبادر إلى ما يلزمه بصدق، ومن كان عليه حقوق مالية كالزكاة فليؤدها كما أمر الله. والإحسان إلى الفقراء والأقارب وإعانة المحتاجين من أعظم ما يزكي المال ويبارك فيه.
وليحذر الغني من أن يظن أن المال يشتري القبول أو أن الحلم يعطيه مكانة خاصة، فالمنزلة عند الله تُنال بالتقوى والإخلاص لا بالثراء. وليتجنب الرياء والمفاخرة في أداء العبادات، فإن القلب هو موضع نظر الله. والتواضع في النعمة من علامات الشكر الحقيقي. ومن ملك الكثير فليكن من أحرص الناس على سلامة قلبه.
ويحسن كذلك أن يتذكر صاحب المال أن في إعانة الآخرين على أداء ما يتمنونه من الخير بابَ أجر عظيماً، بشرط أن يكون ذلك بنية خالصة وبعلم وتروٍّ، وأن يستشير في ما أشكل عليه أهل العلم والخبرة. وليتجنب الاندفاع في قرارات مالية كبيرة بسبب رؤيا، فالأحلام لا تصلح أساساً لإدارة الأموال. والتخطيط الحكيم والمشورة الأمينة هما الأصل.
وفي الختام، فإن هذا التفسير اجتهاد بشري ظني قد يصيب وقد يخطئ، ولا يجوز أن يُبنى عليه قرار مالي أو استثماري أو سفر. فالغيب لا يعلمه إلا الله وحده. فليدع الرائي ربه أن يبارك له في رزقه وأن يعينه على شكره، وليحسن الظن به، وليأخذ بالأسباب الحكيمة، ثم يتوكل عليه سبحانه.
وإن أحس الغني بسكينة بعد الحلم فليغتنمها في تجديد صلته بأهله وبالفقراء من حوله، فإن السكينة الحقيقية تأتي من القرب من الله ومن الناس، ولا يمنحها مال ولا جاه.
