يحلم بعض الناس بأنهم واقفون في عرفة، في ذلك السهل الواسع المزدحم بالقلوب المتضرعة، يرفعون أيديهم إلى السماء ويدعون بما يحملون في صدورهم. ومثل هذه الرؤيا تترك أثرًا طيبًا في النفس، خصوصًا عند من يشتاقون إلى الحج أو يمرون بمرحلة يشتد فيها الاحتياج إلى الله. وهي في الوقت نفسه من الرؤى الرمزية التي لا تُحمل على ظاهرها ولا تُعدّ خبرًا قاطعًا، فتفسيرها اجتهاد ظني يختلف بحسب الرائي وحاله. وفيما يلي بعض المعاني التي قد تُقرأ في هذه الصورة بروح التأمل والرجاء.
عرفة في الوعي الإسلامي موقف الرجاء الأكبر والتضرع، ويرمز الحج في الرؤى عامة إلى التوبة وبدء صفحة جديدة، وإلى الشوق إلى القرب من الله، وإلى الفرج وإجابة الدعاء، وإلى أداء ما في الذمة. فإذا رأى الإنسان نفسه يدعو في هذا الموقف، فقد يعبّر ذلك عن لحظة صدق مع النفس ومع الله، يطرح فيها ما يثقله ويتمنى ما يرجوه. وقد يدل على مرحلة من مراحل المراجعة، يعترف فيها الإنسان بتقصيره ويطلب التخفف من أعبائه. وقد يكون كذلك تجسيدًا لحاجة كبيرة في قلبه إلى أن يُفرَّج عنه همّ أو يُيسَّر له أمر، فتأخذ هذه الحاجة شكل أكثر المواقف رجاءً.
نُسب إلى ابن سيرين أن الحج في المنام يدل على الخير وقضاء الحاجة وصلاح الدين في الجملة، وذهب بعض المفسرين إلى أن الوقوف بعرفة في الرؤى قد يدل على الرجاء والتوبة وعلى اجتماع الهموم بين يدي الله. وذهب النابلسي في بعض ما نُقل عنه إلى أن مشاهد الحج تدل على الوفاء بالنذور وعلى التوبة وعلى قضاء الحوائج بعد جهد. وهذه الأقوال عامة وليست نصًا خاصًا بهذه الصورة، وتختلف الروايات عنهم في الثبوت واللفظ، وقد يخالف بعض المفسرين بعضًا في التفصيل، ولذلك فهي معانٍ يُستأنس بها على وجه التأمل، لا قواعد جازمة يُحكم بها على أحد.
يتغير المعنى بحسب الحال التي يراها الرائي. فإن رأى نفسه يدعو بخشوع وسط جموع كثيرة، فقد يرمز ذلك إلى شعور بالانتماء إلى جماعة المؤمنين وإلى الأنس بهم. وإن رأى نفسه وحيدًا في السهل الواسع، فقد يعبّر ذلك عن خلوة تأمل أو شعور بالوحدة يحتاج إلى معالجة بالأنس بالله وبالصحبة الطيبة. وإن رأى حرارة شديدة أو تعبًا وهو يدعو، فقد يرمز إلى جهد يبذله في سبيل مطلوبه. وإن رأى غيومًا ورحمة تنزل، فقد يوحي ذلك بالفرج. وإن بكى أثناء الدعاء فذلك من علامات صدق التوجه. وإن شعر بالجفاف، فلا يحمله على سوء الظن بنفسه، بل يجعله دافعًا إلى الاستغفار.
وللفتاة غير المتزوجة قد تدل الرؤيا على حاجة أو دعاء يخص مستقبلها وما تأمله من خير، وعلى قلب يتجه إلى الله بثقة. وللمرأة المتزوجة قد تدل على دعاء لأسرتها وعلى رجاء في إصلاح ما فسد وحفظ ما صلح. وللرجل قد تدل على مراجعة لأعماله ودعاء بالتيسير في رزقه وصلاح أهله ومغفرة ذنوبه. وللحامل قد تدل على دعاء بالسلامة وأمنية بولد صالح. وللمريض قد تدل على التضرع بالشفاء والصبر. وهذه قراءات رجائية ظنية، لا تغني عن الأسباب العملية من علاج وسعي وتدبير، ولا يصح أن تكون سببًا للتواكل أو ترك الاحتياط. ويبقى الأمر كله بيد الله وحده.
ومن الجزئيات التي تُعين على الفهم: هل كان وقت الرؤيا قبيل الغروب، فقد يرمز إلى ختام مرحلة وبداية أخرى. وهل رأى الجبل أو العلامات المعروفة، وهل كان يرفع يديه إلى السماء. وهل كان معه أحد من أهله أو أصدقائه، فقد يرمز ذلك إلى اشتراكهم معه في الهم أو الرجاء. وهل رأى لباسًا موحدًا بين الناس، فقد يوحي بالمساواة والتجرد من الفوارق. وهذه الجزئيات قد تلقي ضوءًا على ما يشغل الرائي، لكنها لا تصلح أن تكون أساسًا لاستنتاج جازم. وفي كثير من الأحيان يكون أثر الشعور بعد الاستيقاظ أبلغ من التفاصيل.
أما الجانب الروحي والعملي فلا بد من التذكير بأن الحلم لا يقوم مقام الحج ولا يغني عن أي عبادة، وأن رؤية عرفة في المنام ليست ضمانًا بأن الرائي سيقف بها، ولا هي حكم على مغفرة أو قبول. فالدعاء مشروع في كل وقت ومكان، والتوبة مفتوحة لكل راجع، وفضل الله أوسع من كل تقدير. فمن رأى هذا الحلم فليجعل منه حافزًا لدعاء صادق في خلوته، وللاستغفار والصدقة وصلة الرحم وحسن الخلق، وليتذكر أن القلوب المنكسرة أقرب إلى الله. وإن كان ينوي الحج فليحسن نيته ويتهيأ، وليسأل الله التوفيق.
وفي الختام، فإن هذا التفسير اجتهاد بشري ظني قد يصيب وقد يخطئ، ولا يجوز أن يكون أساسًا لقرار حقيقي في المال أو السفر أو العمل أو غيرها من شؤون الحياة. والأولى أن يقابل الرائي الحلم بالدعاء وحسن الظن بالله، وبحمده إن رأى ما يسر. والغيب لا يعلمه إلا الله وحده، وهو سبحانه أرحم بعباده من أنفسهم. فمن أحسن الظن به وجد عنده ما يطمئن قلبه، ومن رجع إليه صادقًا لم يخب مسعاه بإذنه تعالى.
