من الرؤى التي تحمل في طياتها معاني كثيرة أن يرى الإنسان نفسه عند الكعبة المشرفة رافعًا يديه بالدعاء، يطلب ويتضرع ويبثّ حاجاته إلى الله. وقد يختلف الدعاء بين رؤيا وأخرى، فتارة يتذكر الرائي ما دعا به وتارة لا يتذكر منه إلا الإحساس بالتضرع. وهذه الرؤيا قد تكون انعكاسًا لحاجة حقيقية في النفس أو لحنين إلى مقام الدعاء. وليس فيها ما يُجزم به، فالأحلام رموز وتفسيرها اجتهاد ظني، ولا يصح أن يُعدّ ما رآه الرائي دليلًا على استجابة أو عدمها. فلنتأمل ما قد تدل عليه بهدوء.
الدعاء في الرؤى يرمز إلى التوجه والحاجة والتعلق بالله وطلب الفرج، والكعبة ترمز إلى القبلة الجامعة والاتجاه الصحيح والتوبة والقرب من الله والأمان. فإذا اجتمعا، دلّ ذلك في الجملة على قلب يتجه إلى ربه بكل ما فيه من رجاء وحاجة. وقد يدل على أن الرائي يمر بحال يحتاج فيها إلى عون، أو أنه يحمل أمرًا ثقيلًا يريد أن يضعه بين يدي الله. وقد يكون أيضًا صورة لطمأنينة يشعر بها من اعتاد الدعاء، فجاءه الحلم في صورة تناسب ما يحب. وفي كل الأحوال هو إشارة إلى أن باب الدعاء مفتوح في اليقظة كما هو في المنام.
نُسب إلى ابن سيرين أن الدعاء في المنام قد يدل على الخير والفرج وقضاء الحاجة في الجملة، وأن رؤية الكعبة تدل على الأمان والخير. وذهب بعض المفسرين إلى أن من رأى أنه يدعو في موضع شريف فإنه قد يُرجى له تحقق مطلوبه إن شاء الله. وذهب النابلسي في بعض ما نُقل عنه إلى أن الدعاء عند البيت يدل على التضرع والتوبة وقد يكون بشرى بتحقق المراد. وهذه الأقوال متفاوتة الثبوت ومختلفة في مراد أصحابها، وقد يرى بعض المفسرين خلافها، فهي تُذكر للاستئناس، ولا يصح أن يتخذها الرائي حجة في الاطمئنان إلى أمر بعينه دون سعي وتوكل.
يتأثر المعنى بحال الدعاء وسياقه. فإن دعا بخشوع وسكينة، فذلك يوحي بحسن الصلة وبرجاء الإجابة. وإن دعا وهو مضطرب أو متعجل، فقد يعكس قلقًا من أمر يتمناه بشدة. وإن دعا لغيره، فقد يرمز إلى قلب رحيم يهتم بمن حوله. وإن دعا على أحد، فقد يكون ذلك انعكاسًا لحزن أو ظلم يشعر به، ويحسن أن يقابله بالعفو والدعاء بالخير. وإن لم يتذكر ما دعا به، فلا حرج، فالمهم الحال النفسية. وإن سمع من يؤمّن على دعائه، فقد يرمز إلى معين على الخير. وإن بكى أثناء الدعاء فهو من علامات رقة القلب.
وللفتاة غير المتزوجة قد يدل الحلم على حاجة أو أمنية تتعلق بدراستها أو عملها أو استقرارها، وعلى قلب يتعلق بالله في أمره، ويُرجى لها الخير مع الصبر. وللمرأة المتزوجة قد يدل على دعاء لأسرتها وأولادها وزوجها، وعلى رجاء في صلاحهم وسكينة بيتهم. وللرجل قد يدل على حمل مسؤولية رزق أو دين أو إصلاح يريد أن يضعه بين يدي الله. وللحامل قد يدل على دعاء بسلامة الولادة وصلاح المولود. وللمريض قد يدل على التضرع بالعافية والرجاء في الله. وهذه جميعها دلالات رجائية، ينبغي أن تقترن بالأخذ بالأسباب المشروعة من سعي وعلاج وتدبير، ولا تغني عنها.
ومن الدقائق التي قد تضيء الفهم: اتجاه الرائي أثناء الدعاء، وهل رأى الكعبة أمامه واضحة، وهل كان الجو هادئًا، وهل شعر بعد الدعاء بالراحة والطمأنينة. فالشعور بالراحة بعد الدعاء من العلامات الطيبة التي يُستأنس بها. ووقت الدعاء في الحلم، من ليل أو نهار، قد يضيف معنى، فالليل يوحي بالخلوة والصدق، والنهار بوضوح الغاية. وقد يرى الرائي ما يشبه الإجابة، كأن يُرى نور أو يُسمع صوت طيب، وهذا يُحمل على البشرى على سبيل الرجاء. ولا ينبغي أن يغتر الإنسان بما يراه فيترك السعي، ولا أن ييأس إذا لم يرَ شيئًا، فالإجابة بيد الله.
ومن الناحية الروحية والعملية فإن الدعاء في المنام لا يقوم مقام الدعاء في اليقظة، فالمطلوب أن يدعو الإنسان ربه في كل حال ومكان بقلب حاضر. ولا تُعدّ هذه الرؤيا ضمانًا لأن يقف الرائي عند الكعبة فعلًا، ولا هي شهادة بقبول أو إجابة. وإنما قد تكون تذكيرًا لطيفًا بباب الدعاء الذي لا يُغلق. فليحرص الرائي على أدعيته بعد الصلوات وفي أوقات السحر، وليقدم بين يدي دعائه الثناء على الله والصلاة على النبي، وليجتنب أكل الحرام ويحسن إلى خلق الله. وليتحلّ بالصبر، فإن الله قد يؤخر الإجابة لحكمة، أو يدفع عنه شرًّا، أو يعوّضه خيرًا.
وفي الختام، فإن ما ذُكر هنا اجتهاد بشري ظني قد يصيب وقد يخطئ، ولا يجوز اتخاذه سندًا لقرار حقيقي في المال أو السفر أو الزواج أو العمل. والأولى للرائي أن يقابل الحلم بالدعاء وحسن الظن بالله، وأن يحمده على ما رأى من خير. والغيب لا يعلمه إلا الله وحده، فهو سبحانه الذي يعلم ما يصلح عباده أكثر مما يعلمون. ومن رفع يديه إليه بصدق لم يرجع من عنده خائبًا، فلنحسن الظن بربنا ولنأخذ بالأسباب ولنتوكل عليه.
