يرى بعض الناس في منامهم أنهم في المسجد الحرام في رمضان، جالسين في ساحاته أو صفوفه مع الصائمين، وقد حان وقت الغروب، فيتناولون التمر والماء ويفطرون مع الناس في جو من الألفة والبهجة. وهذه الرؤيا قد تأتي لمن يحنّ إلى أجواء رمضان في الحرم، أو لمن يقترب منه شهر الصيام. وهي رمزية لا تُحمل على ظاهرها، وتفسيرها اجتهاد ظني لا يُقطع به. وفيما يلي بعض المعاني العامة التي قد تُقرأ في هذه الصورة بروح التأمل، دون جزم أو تكلف في الجزئيات.
الإفطار في الرؤى يرمز إلى انتهاء مدة صبر وبدء مرحلة فرج وراحة بعد جهد، وإلى الفرحة المرتبطة بإتمام عمل. ويرتبط رمضان في الوعي الإسلامي بالطاعة والمغفرة والرحمة والتقرب إلى الله. ويرمز الحرم والكعبة إلى الأمان والتوبة والقرب من الله، والحج والعمرة إلى بدء صفحة جديدة وأداء ما في الذمة. فإذا اجتمعت هذه المعاني، فقد يُفهم من الحلم أن الرائي ينتظر فرجًا بعد صبر طويل، أو أنه يجد في داخله فرحة بإتمام مرحلة من الجهد، أو أنه مشتاق إلى أجواء الطاعة والأخوة والبركة. وقد يدل على رغبة في الجود والمشاركة في الخير، فالإفطار في هذا المكان يتقاسمه الناس بالكرم.
نُسب إلى ابن سيرين أن الصيام في المنام يدل على الصبر والعفة وحفظ النفس، وأن الفطر بعده قد يدل على الفرج والسرور بعد الشدة. وذهب بعض المفسرين إلى أن رؤية رمضان في المنام قد تدل على الخير والبركة والتوبة وغفران الذنوب على سبيل الرجاء. وذهب النابلسي في بعض ما نُقل عنه إلى أن رؤية الصوم تدل على الأمان مما يُخاف، وأن رؤية الأماكن الشريفة تدل على الدين وصلاح الحال. وتتفاوت هذه الأقوال في ثبوتها وفي مراد أصحابها، ويختلف أهل التأويل في تفصيلها، ولذلك فهي عبارات عامة يُستأنس بها ولا تُعدّ قولًا فاصلًا في الباب.
يتأثر المعنى بحال الرائي وما يحيط به. فإن أفطر وهو سعيد مطمئن بين الناس، فقد يرمز إلى فرج وألفة وسرور. وإن أفطر وحده، فقد يعبّر عن حاجة إلى الأنس والمشاركة. وإن أفطر على تمر وماء، فهي صورة مألوفة تدل على البساطة والرضا. وإن كان يوزّع الطعام على الصائمين، فقد يرمز إلى كرم وعطاء وخير يتعدى صاحبه. وإن شعر بالعطش الشديد قبل الغروب، فقد يعكس انتظارًا طال أو رغبة في انتهاء مرحلة صعبة. وإن شعر بالشبع الزائد، فقد يعكس ثقل ما في الدنيا من مشاغل. والمهم هو الشعور العام الذي يبقى بعد الاستيقاظ، ولا يصح التكلف في الجزئيات.
وللفتاة غير المتزوجة قد يدل الحلم على فرج بعد انتظار وصبر، وعلى فرحة بإتمام خطوة طال انتظارها، مع الدعاء والتوكل. وللمرأة المتزوجة قد يدل على اجتماع الأسرة على الخير وعلى راحة بعد تعب الأيام، وعلى بركة في البيت. وللرجل قد يدل على انفراج بعد صبر في عمل أو رزق أو التزام، وعلى رغبة في الكرم والعطاء. وللحامل قد يحمل معنى الفرج القريب بعد تعب الحمل، وهو رجاء حسن. وللمريض قد يحمل معنى الأمل في زوال الألم بعد الصبر. وهذه كلها قراءات ظنية رجائية، لا تغني عن الأخذ بالأسباب والعلاج والسعي، ولا يصح أن يُبنى عليها وعد أو قرار.
ومن التفاصيل التي قد تُنير الفهم: ما يُرى على مائدة الإفطار من طعام وشراب، فالتمر والماء رموز بسيطة للقناعة. وهل كان المكان مزدحمًا بالصائمين أم هادئًا، وهل كانت هناك أيدٍ تمتد بالطعام للناس، فقد يرمز ذلك إلى مجتمع متعاون. وهل سمع الأذان عند الإفطار، فقد يرمز إلى إعلان الفرج. وهل رأى الكعبة قريبة، فقد يضيف ذلك معنى الأمان. وقد ترى في الحلم أطعمة لا تُعرف في الواقع، وهذا من خيال الأحلام الحر. ولا يُنبغي أن تُثقل الجزئيات بتأويلات متكلفة، ولا أن يُجعل الحلم أساسًا لأي توقع محدد.
وأما الجانب الروحي والعملي، فلا يغني الإفطار في المنام عن الصيام في اليقظة، ولا يقوم مقام أي عبادة، وليست هذه الرؤيا ضمانة بأن الرائي سيفطر في الحرم يومًا، ولا حكمًا على منزلته. وإن كان فيها تذكير فهو بقيمة الصبر والكرم والاجتماع على الخير. فليجعل الرائي منها حافزًا إلى الاجتهاد في الطاعة في رمضان وغيره، وإلى إفطار الصائمين وإطعام المحتاجين ما استطاع، وإلى الدعاء عند الفطر، وإلى حفظ صيامه من اللغو. وليحرص على صلة رحمه وإصلاح ما بينه وبين الناس، وليسأل الله القبول. وإن كان ينوي الحج أو العمرة فليحسن نيته ويستعد.
وفي الختام، فإن هذا التفسير اجتهاد بشري ظني قد يصيب وقد يخطئ، ولا يصح أن يكون أساسًا لقرار حقيقي في المال أو السفر أو العمل أو العلاج. والأولى أن يقابل الرائي الحلم بالدعاء وحسن الظن بالله، وأن يحمده على ما رأى. والغيب لا يعلمه إلا الله وحده، فهو العليم بما يخبئه الغد. ومن صبر وأحسن الظن بربه وجد بعد الصبر فرحة، وبعد الشدة فرجًا بإذنه تعالى، فليطمئن القلب وليتفاءل الإنسان بالخير وليواصل عمله الصالح.
