قد يستيقظ الإنسان من نومه وقلبه مثقل بحنين شديد إلى الحج، بعد أن رأى في منامه مشاهد من مكة والمشاعر، أو بعد أن شعر في الحلم برغبة جارفة في الوصول إلى البيت العتيق لا يملك لها دفعًا. وهذا النوع من الأحلام يصيب كثيرًا من المحبين لهذا البيت، خصوصًا من يتوقون إلى زيارته ولم تتهيأ لهم أسبابها بعد. وهو حلم تغلب عليه المشاعر أكثر من الصور، ولذلك فهو رمزي لا يُحمل على ظاهره، وتفسيره اجتهاد ظني لا يُقطع به. وفيما يلي بعض المعاني العامة التي قد تُقرأ فيه بروح هادئة ورجاء.
الحنين في أصله شوق إلى ما فُقد أو غاب، وهو في الرؤى يرمز إلى تعلق القلب بأمر عزيز وإلى رغبة صادقة في الوصول إليه. ويرمز الحج والعمرة في الرؤى إلى التوبة وبدء صفحة جديدة، وإلى القرب من الله، وإلى الفرج وإجابة الدعاء، وإلى أداء ما في الذمة. فإذا اجتمع الحنين مع الحج، فقد يُفهم من ذلك أن الرائي يحمل في قلبه رغبة في تطهير نفسه وتجديد صلته بربه، وأن هذا الشوق يتجلى في صورة شعورية قوية. وقد يعبّر عن حاجة إلى سكينة وراحة روحية لا تجد لها مكانًا في زحام الحياة، أو عن إحساس بالنقص يتوق إلى الاكتمال.
نُسب إلى ابن سيرين أن الحج في المنام يدل غالبًا على الخير وقضاء الحاجة وإبراء الذمة، وذهب بعض المفسرين إلى أن الشوق الذي يرافق الرؤيا قد يكون علامة على صدق التوجه وحسن النية، على سبيل الرجاء. وذهب النابلسي في بعض ما نُقل عنه إلى أن الحج يدل على الوفاء بالنذور والتوبة وتحقق المقاصد بعد جهد، وأن الحنين إليه قد يدل على قلب يتعلق بالدين. وتتفاوت هذه الأقوال في ثبوتها وفي مراد أصحابها، ويختلف أهل التأويل في تفصيلها، ولذلك فهي عبارات عامة يُستأنس بها ولا يُجزم بها، ولا تُجعل وعدًا بتحقق الحج لصاحبها، فذلك من علم الله وتقديره.
يتغير المعنى بتغير حال الرائي وسياق الحنين. فإن كان الحنين مصحوبًا بسكينة ورجاء، فهو أقرب إلى معنى الشوق المحمود الذي يدفع إلى العمل. وإن كان مصحوبًا بألم وحسرة، فقد يعكس إحساسًا بالعجز عن تحقيق أمر يتمناه، ويحتاج إلى معالجة بالصبر والرضا. وإن كان يتجلى في بكاء، فهو من رقة القلب. وإن كان في الحلم يسير نحو الكعبة وهو متلهف، فقد يرمز إلى سعي في طريق الخير. وإن كان يراها بعيدة ولا يصل، فقد يرمز إلى أن الأسباب لم تتهيأ بعد. وإن شعر بالراحة بعد الحنين، فذلك من علامات الانفراج. وفي كل ذلك، الشعور أصدق من التفاصيل.
وللفتاة غير المتزوجة قد يدل الحلم على قلب صافٍ متعلق بالله وعلى رغبة في الاستقامة، مع أمل بأن يُيسر لها الخير في وقته. وللمرأة المتزوجة قد يدل على شوق إلى سكينة تعوضها عن تعب الأيام، أو إلى أداء الحج مع أسرتها، ويُنصح لها بالدعاء والادخار إن أمكن. وللرجل قد يدل على رغبة في أداء الفريضة أو العمرة، وعلى توبة وإصلاح، ويحسن أن يأخذ بالأسباب من ادخار وتعلم. وللحامل قد يحمل معنى الأمل والتعلق بالله والدعاء بالسلامة. وللمريض قد يحمل معنى الشوق إلى العافية والقرب من الله، والصبر على الابتلاء. وكلها قراءات رجائية ظنية لا يُبنى عليها قرار ولا تُنتظر منها نتيجة محددة.
ومن التفاصيل التي قد تُنير المعنى: ما الذي أثار الحنين في الحلم، أهو صورة الكعبة أم صوت التلبية أم رؤية الحجاج. وهل كان الرائي يرى نفسه غريبًا مشتاقًا أم قريبًا منتظرًا. وهل كان الحنين يزداد أم يهدأ بمرور الحلم. وقد يتكرر هذا الحلم مع اقتراب موسم الحج أو بعد سماع قصص الحجاج، وهذا يرجع إلى أثر الذاكرة والمناسبة. وهنا يحسن أن يتذكر الرائي أن الشوق بحد ذاته نعمة من الله، وأن كثيرًا من الناس لا يجدونه، فلا يجعله مصدر حزن بل مصدر عمل ودعاء. ولا ينبغي أن يتحول إلى حسرة تمنعه من أداء ما عليه الآن.
أما الجانب الروحي والعملي، فالحلم لا يغني عن أي عبادة، ولا يقوم مقام الحج لمن وجب عليه، وليس في الحنين المنامي ضمانة بأن الرائي سيحج، ولا حكم على منزلته عند الله. فالحج فريضة على المستطيع، ومن لم يكن مستطيعًا فلا حرج عليه، وله أن يملأ قلبه بالنية الصادقة والعمل الصالح فيما يقدر عليه. فليجعل الرائي من شوقه دافعًا إلى الادخار والتعلم والدعاء، وإلى الإحسان إلى الحجاج بالدعاء لهم والمساعدة إن استطاع، وإلى تحسين صلاته وعلاقته بالقرآن. وليذكر أن الله قريب من عباده في كل مكان، فلا يُحرم القلب الصادق من قرب ربه لبعد المسافة.
وفي الختام، فإن هذا التفسير اجتهاد بشري ظني قد يصيب وقد يخطئ، ولا يصح أن يكون أساسًا لقرار حقيقي في المال أو السفر أو العمل أو غيرها. والأولى أن يقابل الرائي الحلم بالدعاء وحسن الظن بالله، وأن يسأله أن يرزقه الزيارة والقبول إن كان فيها خير. والغيب لا يعلمه إلا الله وحده، وهو الأعلم بما يصلح عباده ومتى يصلح. فمن أحسن الظن بربه وصبر وأخذ بالأسباب وجد في قلبه سكينة، وكان الله عند حسن ظنه به إن شاء الله، فليطمئن قلب الرائي ولا ييأس من رحمة ربه.
