من الصور الغريبة التي تمر في المنام أن يرى الإنسان الكعبة المشرفة في مكان غير مكانها المعروف، كأن تكون في مدينته أو في طريق مألوف أو في بقعة لا صلة لها بمكة. وهذه الصورة قد تدهش الرائي وتشغله، لكنها في حقيقتها من الصور الرمزية البحتة التي لا تعني انتقال شيء في الواقع ولا تحمل خبرًا عن حدث. فالأحلام تعيد تركيب الصور بحرية، فتضع المقدس في مكان مألوف لتعبّر عن معنى قلبي. ولذلك نذكّر بأن التفسير ظني اجتهادي، وأن الرموز لا تُحمل على ظاهرها، ونعرض المعاني بروح التأمل.
الكعبة في الرؤى رمز للقبلة الجامعة والاتجاه الصحيح، وللتوبة والقرب من الله، وللأمان وانفراج الهموم، وللوحدة والاجتماع على أمر واحد. وحين تظهر في غير موضعها المعتاد فإن أقرب ما يُفهم أن الحلم يريد أن يقول إن ما ترمز إليه الكعبة حاضر في حياة الرائي أو قريب من عالمه، أو إنه يتشوق إليه في مكان يعيش فيه. فقد يكون المعنى أن الرائي يستحضر الاتجاه الصحيح في مكان عمله أو دراسته أو بين أهله، أو أنه يشعر بحاجة إلى أن تحضر السكينة في موضع يغلب عليه القلق. فالصورة بذلك تعبّر عن تلاقي المقدس مع اليومي في وعي الرائي.
نُسب إلى ابن سيرين أن رؤية الكعبة تدل على الخير والأمان في الجملة، وذهب بعض المفسرين إلى أن رؤية الكعبة في موضع غير موضعها قد تُحمل على الأمر العظيم أو الإمام أو الأمر الجامع الذي يقصده الناس، فتُصرف إلى ما يوافقه في حال الرائي. وذهب النابلسي في بعض ما نُقل عنه إلى أن الكعبة ترمز في الرؤى إلى الإمام أو إلى الدين، وأن تغير موضعها يُنظر فيه إلى حال المكان الذي رُئيت فيه. وهذه النقول عامة، ولا يُعلم لها نص قاطع في هذه الصورة بعينها، والخلاف بين أهل التأويل وارد، ولذلك فإنها تُذكر للاستئناس فقط، ولا يُبنى عليها حكم يتعلق بمكان أو شخص.
تتغير الدلالة بحسب ما يشعر به الرائي وما يحيط بالمكان. فإن كانت الكعبة في مكان هادئ نظيف وهو مطمئن، فقد يُحمل ذلك على أن الخير يحل في هذا المكان أو في الشأن المرتبط به. وإن كانت في مكان صاخب أو غريب فقد يعبّر عن شعور بالتناقض بين ما يحب وما يعيش. وإن رأى الناس يتوجهون نحوها في هذا المكان، فقد يرمز إلى اجتماع ووحدة في أمر ما. وإن كان وحده يراها، فقد يرمز إلى خلوة وتفكير داخلي. وإن لم يهتم بالأمر، فهو غالبًا من الصور العابرة، وليس كل حلم يحمل رسالة عميقة.
وللفتاة غير المتزوجة قد تدل الصورة على تعلق قلبها بالاتجاه الصحيح في مكان حياتها، وعلى رغبة في أن تجد السكينة قريبة منها، ويُرجى لها الخير مع الصبر والدعاء. وللمرأة المتزوجة قد تعبّر عن حنين إلى أن يكون بيتها محلّ سكينة وطاعة وأمان، وقد تعكس حرصها على أسرتها. وللرجل قد تدل على إرادة أن يكون في مكان عمله أو بيئته ما يقرّبه من الله، أو على قلق من أن يبتعد عن قبلته في زحمة المشاغل. وللحامل قد تعكس سكينة تتمناها في مكان ولادتها وأمنًا لها ولجنينها. وللمريض قد تعكس أملًا بأن يكون مكان علاجه محلّ رحمة وشفاء، مع الأخذ بالأسباب. وكلها قراءات رمزية لا أكثر.
ومن التفاصيل المفيدة أن يتأمل الرائي ما حول الكعبة في ذلك المكان، فإن كانت في بيت قريب أو شارع معروف فقد ترتبط بمشاعره نحو أهل هذا المكان. وكذلك حجمها، فإن كانت صغيرة أو كبيرة على غير المعتاد فذلك من تشكيلات الحلم الحرة التي لا يلزم تفسيرها بدقة. وقد يرى أنه يصلي متجهًا إليها، فهذا يرمز إلى وضوح الوجهة. وقد يجد من يخبره أن هذا المكان هو مكانها، وهذا من طبيعة الأحلام التي تقبل ما لا يقبله العقل في اليقظة. والمهم ألا يخرج الرائي من ذلك بتصور ديني أو حكم يتعلق بالأماكن والأعيان.
أما الجانب الروحي والعملي، فيجب أن يتضح أن مثل هذه الصور رموز نفسية لا تُحدث أي تغيير في حقائق الدين، فالكعبة في مكانها المعلوم، وهي قبلة المسلمين جميعًا، والحلم لا يغني عن أي عبادة ولا يغير شيئًا من الأحكام. وليس في رؤيتها في المنام ضمان بأن الرائي سيزورها، ولا حكم على منزلته. وإنما الدعوة التي قد يحملها الحلم دعوة هادئة إلى جعل القبلة حاضرة في الحياة اليومية، بالمحافظة على الصلاة وحسن الخلق ومراقبة الله في السر والعلن. فليأخذ الرائي من الحلم معنى القرب والأمان، وليترك الغرابة جانبًا، وليكثر من الدعاء والاستغفار.
وفي الختام، فإن ما ذُكر اجتهاد بشري ظني قد يصيب وقد يخطئ، ولا يجوز اتخاذه أساسًا لقرار حقيقي في السفر أو السكن أو المال أو العمل. والأولى للرائي أن يقابل الحلم بالدعاء وحسن الظن بالله، وألا يجعل الصور الغريبة مصدر قلق أو هاجس. والغيب لا يعلمه إلا الله وحده، فهو العليم بما في الصدور. ومن أحسن الظن بربه، ومضى في عمله الصالح مطمئنًا، وجد في ذلك راحة وأمنًا بإذن الله.
