من أجمل ما قد يراه المسلم في منامه أن تتجلى له الكعبة المشرفة وقد غمرها نور ساطع، يملأ المكان ويشرق على الوجوه ويبعث في القلب طمأنينة نادرة. ومن الناس من يستيقظ بعد هذا الحلم وهو يشعر برغبة في البكاء أو في السجود شكرًا. ومع جمال هذا المشهد ينبغي أن نتذكر أن الأحلام رموز وإيحاءات، وأن تفسيرها اجتهاد ظني لا يبلغ اليقين، وأن شدة الأثر العاطفي لا تعني بالضرورة أن للحلم دلالة غيبية خاصة. فنقرأ هذه الرؤية بتأمل وأدب ورجاء، ونأخذ منها ما يزيد القلب سكينة.
النور في الرؤى يرمز في الجملة إلى الهداية والبصيرة وانكشاف الحال وزوال الغمة، وإلى الصفاء والسكينة والقبول الحسن في عين الناظر. والكعبة ترمز إلى الاتجاه الصحيح والقبلة الجامعة، وإلى التوبة والقرب من الله والأمان والفرج. فإذا اجتمعا، كان المعنى المحتمل أن الرائي يعيش أو يتمنى حالة من الصفاء الروحي ووضوح الطريق، أو يمر بمرحلة تنقشع فيها غمة كانت تثقله. وقد يعبّر المشهد عن شوق عميق إلى الهداية والثبات، أو عن راحة نفسية بعد توبة وإقبال. وقد يدل أيضًا على أن الرائي يقدّر هذا المعنى ويعظمه في قلبه تعظيمًا صادقًا.
نُسب إلى ابن سيرين أن النور في المنام يدل في الغالب على الهداية والخير وزوال الشدة، وذهب بعض المفسرين إلى أن رؤية الكعبة تدل على الأمان والخير وإجابة الدعاء، فإذا اجتمع النور فهو أبلغ في البشارة في اجتهادهم. وذهب النابلسي في بعض ما نُقل عنه إلى أن الكعبة ترمز إلى الأمر الجامع والدين، وأن النور على الأشياء المقدسة يدل على قوة الدين وظهور الحق. وتتفاوت الروايات في ثبوت هذه الأقوال، ويختلف أهل التأويل في تطبيقها، ولذلك فالأولى أن تُقرأ على سبيل الاستئناس بها، وألا يُجعل منها حكم قاطع ولا وعد مؤكد يُبنى عليه شيء.
يتأثر المعنى بمشاعر الرائي وبهيئة النور. فإن كان النور هادئًا لطيفًا يملأ القلب أنسًا، فهو أقرب إلى معاني السكينة والرضا والصفاء. وإن كان شديدًا يعشي العين، فقد يعبّر عن مهابة وإحساس بعظمة تفوق الإدراك. وإن رأى النور ينتشر من الكعبة إلى ما حولها وإلى الناس، فقد يرمز إلى خير يعمّ ويتعدى صاحبه. وإن رأى الظلام ثم النور، فقد يدل على خروج من حالة ضيق إلى انفراج. وإن رأى نفسه يمشي نحو النور، فهذا يوحي بتوجهه إلى هداية يريدها. وإن لم يشعر بشيء خاص فلا حرج، فليس كل حلم رسالة.
وللفتاة غير المتزوجة قد يكون الحلم، على سبيل الرجاء، دلالة على صفاء قلبها وعلى استقامة طريقها وانفراج ما تنتظره، مع الدعاء والعمل. وللمرأة المتزوجة قد يدل على سكينة تحلّ في بيتها وصفاء في علاقاتها وهداية لأسرتها، وهي قراءة رجائية. وللرجل قد يدل على بصيرة في أمر مشكل وعلى توبة وإقبال على الله. وللحامل قد يحمل معنى الطمأنينة والبشرى بسلامة الأمر، مع الأخذ بالأسباب. وللمريض قد يحمل أملًا في العافية وتخفيف الكرب. وكل ذلك تأويل ظني قد يتغير مع الأحوال، ولا يصح الاعتماد عليه في ترك دواء أو إهمال سبب مشروع، فالحلم لا يقوم مقام السعي.
ومن التفاصيل التي قد تضيء المعنى لون النور، فالنور الأبيض الصافي يوحي بالنقاء، والنور الذهبي قد يوحي بالبهاء والجلال. وكذلك اتجاه النور، فإن كان نازلًا من فوق فقد يرمز إلى فيض ورحمة، وإن كان صادرًا من الكعبة فقد يرمز إلى هداية تنبعث من القبلة. وقد يُرى الناس وهم يتجهون إليه، فيرمز ذلك إلى جماعة يجمعها الخير. ويُلاحظ هل صاحب النور صوت أو أذان أو دعاء، فقد يعني ذلك أن الرؤية ممزوجة بشوق إلى الصلاة. ومع ذلك فلا يُتكلّف في ربط كل جزئية بمعنى، فمدار الأمر على الشعور العام.
ومن الجانب الروحي والعملي، يجب أن يعلم الرائي أن النور في المنام ليس شهادة له بمرتبة عند الله، ولا هو ضمانة بأن يحج أو يعتمر، ولا يغني عن أي عبادة أو فريضة. فالنور الحقيقي يُطلب بطاعة الله وقراءة القرآن والعلم النافع وصحبة الصالحين. وإن كان للمنام نصيب من الدلالة فهو تذكير بتجديد الصلة بالله والمحافظة على ما يُبقي النور في القلب من صلاة وذكر وإحسان. فليشكر الرائي ربه على ما أودعه في قلبه من حب الخير، وليجتهد في الثبات وحسن الخلق، وليتجنب العجب والغرور بما رأى، فالأمر كله فضل من الله.
وفي ختام الأمر، فإن ما ذكرناه اجتهاد بشري ظني قد يصيب وقد يخطئ، ولا يجوز أن يكون سندًا لقرار حقيقي في المال أو السفر أو الزواج أو العلاج. والأحسن أن يقابل الرائي حلمه بالدعاء وحسن الظن بالله، وبالحمد والشكر. والغيب لا يعلمه إلا الله وحده، وهو سبحانه مصدر كل هداية، ومن طلب الهداية منه بصدق وجدها بإذنه. فليسكن قلب الرائي وليمضِ في عمله الصالح بثقة في رحمة ربه.
