قد يرى الإنسان في منامه الكعبة المشرفة وقد خلت من كسوتها السوداء، فتبدو بنيانًا حجريًا بسيطًا مجردًا، فيدهشه المنظر وقد يثير في نفسه تساؤلًا وربما قلقًا. وهذه الصورة قد تكون استدعاء لما سبق أن رآه الرائي من صور الكعبة في موسم تبديل الكسوة أو في الوثائق التاريخية، وقد تكون صورة منامية خالصة بلا أصل. ولذلك لا ينبغي أن يُحمل المشهد على أنه نذير أو علامة سوء، فالأحلام رموز، وتفسيرها اجتهاد ظني، ولا يجوز الجزم به. فلنقرأ ما قد يحمله من معانٍ بنظرة هادئة متأملة.
إذا كانت الكسوة ترمز إلى الستر والهيبة والزينة، فإن غيابها في الحلم قد يرمز بالمقابل إلى التجرد والبساطة والصفاء من كل زخرف، فكأن الرائي يرى الأصل مجردًا مما يحيط به. وقد يدل ذلك على رغبة في العودة إلى جوهر الأمور والتخفف من التكلف والمظاهر، أو على مرحلة يريد فيها أن يراجع نفسه ويرى حقيقتها دون أقنعة. والكعبة ترمز في ذاتها إلى الاتجاه الصحيح والتوبة والقرب من الله والأمان، فيكون المعنى العام أن المطلوب ثابت لا يتغير مهما تبدلت المظاهر. وقد يعكس ذلك أيضًا شعورًا بالانكشاف يحتاج إلى طمأنة.
نُسب إلى ابن سيرين أن رؤية الكعبة تدل على الخير والأمان وقضاء الحاجات في الجملة، وذهب بعض المفسرين إلى أن ما يعتريها من تغيير في الهيئة يرجع إلى حال الرائي لا إلى حال البيت نفسه، فالمرآة تعكس صورة الناظر. وذهب النابلسي في بعض ما نُقل عنه إلى أن الكعبة تدل على الأمر الجامع الذي يُقصد ويُعظَّم، وإلى الدين والاستقامة. وليس عند أهل التأويل فيما نعلم نص قاطع في الكعبة بلا كسوة على وجه الخصوص، ولذلك فإن ما يقال هنا اجتهاد في التطبيق على قواعد عامة، وقد يختلف فيه الناظرون، ولا يصح أن يُنسب إلى أحد منهم على سبيل القطع.
يختلف التأويل بحسب مشاعر الرائي وسياق الحلم. فإن رآها بلا كسوة وهو خاشع مطمئن، فقد يعبّر ذلك عن صفاء داخلي ورغبة في البساطة والإخلاص. وإن رآها وهو مفزوع حزين، فقد يعكس ذلك قلقًا على أمر يعتز به أو خوفًا من تغير أحوال. وإن رأى الناس يعملون على تجديد الكسوة، فقد يرمز إلى تجديد وإصلاح قادم في أمر ما. وإن رآها مجردة ثم كُسيت، فقد يرمز إلى انتقال من حال النقص إلى حال التمام والستر. وإن شعر بأن المنظر عادي لا يثير فيه شيئًا، فقد يكون مجرد صورة ذهنية لا تحمل رسالة كبيرة.
وللفتاة غير المتزوجة قد تدل الصورة على رغبة في الصدق مع نفسها وتخفف من مجاملات متكلفة، أو على مرحلة تراجع فيها اختياراتها بصفاء. وللمرأة المتزوجة قد تعبّر عن حاجة إلى البساطة في بيتها وعلاقاتها وتخفيف أعباء المظاهر والتكلف. وللرجل قد تدل على مراجعة لأولوياته والعودة إلى الأصل في دينه وعمله، أو على شعور بالتجرد من أسباب كان يعتمد عليها. وللحامل قد تعكس شعورها بالانكشاف والتغير الذي تمر به، ويطمئنها أن هذا أمر طبيعي. وللمريض قد تعكس شعور الضعف والتجرد، ويُرجى معها الصبر وحسن الظن. وكل ذلك احتمالات لا قطع فيها.
ومن التفاصيل التي قد تُنير الفهم: هل ظهر الحجر الأسود وباب الكعبة والميزاب بوضوح، فذلك قد يوحي بأن الأصول واضحة أمام الرائي. وهل كان المكان هادئًا أم مزدحمًا، فالهدوء يعين على التأمل. وهل رأى الرائي أحدًا يحاول تغطيتها أو إزالة شيء عنها، فقد يرمز إلى مراجعة تجري في داخله. وقد يرى لون الحجارة أو لون الجدار على غير ما يعرف، وهذا من الجزئيات الذهنية التي لا يلزم تأويلها بإسراف. والأولى ألا يتعلق قلب الرائي بجزئية بعينها، بل يأخذ المعنى العام من الشعور الذي بقي بعد الاستيقاظ.
ومن الناحية الروحية، لا يغني الحلم عن أي عبادة، وليس في رؤية الكعبة بلا كسوة حكم على الرائي ولا إخبار بما سيكون، كما أن رؤية الكعبة في المنام ليست ضمانًا بزيارتها. وقد يكون في الصورة تذكير لطيف بأن العبرة بالقلب لا بالمظهر، وأن ما عند الله لا يُنال بالزينة بل بالإخلاص والتقوى. فليتخذ الرائي من الحلم فرصة لمراجعة نيته وتنقية قلبه من الرياء، وليحافظ على فرائضه، ويكثر من الاستغفار، ويحسن إلى من حوله. وإن شعر برغبة في زيارة البيت الحرام فليحسن النية وليأخذ بالأسباب المشروعة، وليسأل الله أن يُيسر له الخير.
وفي الختام، فإن هذا التفسير اجتهاد بشري ظني قد يصيب وقد يخطئ، ولا يصح أن يُتخذ أساسًا لقرار حقيقي في السفر أو المال أو العمل أو غيرها. والأولى أن يقابل الرائي ما رأى بالدعاء وحسن الظن بالله، وأن يستعيذ بالله من وسوسة الشيطان إن أحس بقلق. والغيب لا يعلمه إلا الله وحده، وهو سبحانه الرؤوف بعباده. فمن أحسن الظن بربه سكنت نفسه، ومن توكل عليه كفاه، والحمد لله على نعمة الإيمان وعلى سعة الرحمة.
