كثيراً ما تحكي النساء المتزوجات أنهن رأين أنفسهن في الحج، يطفن بالبيت ويدعون لأزواجهن وأولادهن وأهلهن بدموع صادقة. وهذا الحلم يأتي غالباً في فترات تحمّل فيها المرأة أعباء كثيرة من رعاية وتربية وعمل، فتتشوق نفسها إلى سكينة روحية تجددها. وقد تستيقظ منه بعاطفة جياشة وتتساءل عما إذا كان يحمل بشارة ما. والأصل أن الرؤى رموز لا تُحمل على ظاهرها، وكل تأويل لها اجتهاد قابل للصواب والخطأ.
للحج والعمرة في المنام معان عامة، منها التوبة والبدء من جديد، والشوق إلى القرب من الله، والفرج بعد الضيق، وأداء الأمانة والوفاء بالعهد. وفي حياة المرأة المتزوجة تتخذ هذه المعاني طابعاً أسرياً، فتتصل بالبيت والزوج والأبناء وما تحمله من مسؤوليات. فقد يعبر الحلم عن رغبتها في أن تغمر بيتها بالطاعة والمودة، أو عن حاجتها إلى لحظة صفاء مع نفسها وربها. وقد يكون أيضاً ثمرة تعب متراكم يطلب راحة روحية.
ونُسب إلى ابن سيرين في بعض ما نُقل عنه أن الحج يدل على الخير لأهل الصلاح وقضاء الحاجات وزوال الهموم. وذهب النابلسي في بعض ما نُقل عنه إلى أن رؤية الحج تدل على الوفاء بالنذر وأداء الواجب، وربما أشار بعضهم إلى أن حج المرأة في المنام قد يدل على ستر وعفاف وحسن حال. ولكن المفسرين اختلفوا في تفصيل ذلك، فمنهم من عمّم ومنهم من خصّص بحسب أحوال الرائية. ولذلك تُذكر هذه الأقوال على سبيل الاستئناس.
ويتغير معنى الحلم بحسب مشاعر المرأة وظروفها. فإن رأت نفسها مطمئنة فرحة فذلك أقرب إلى الراحة والرضا وتجدد الأمل. وإن رأتها متعبة ومشغولة بأطفالها في الزحام فقد يعكس ذلك ما تعيشه من ضغط يومي يحتاج إلى تخفيف. وإن كان زوجها قريباً منها فقد يرتبط الحلم بعلاقتها به ورغبتها في المزيد من التفاهم، وإن كان غائباً فقد يعبر عن شوقها إليه أو إحساسها بالوحدة. وإن بكت بخشوع فهو في الغالب تنفيس عن مشاعر مكبوتة.
وللمرأة التي تنتظر ولداً قد يكون الحلم تعبيراً عن رجائها ودعائها، دون أن يكون وعداً. وللتي تعاني من خلافات أسرية قد يشير إلى رغبتها في الصلح وصفاء القلب، وللتي تمر بضائقة مالية قد يعبر عن أملها في الفرج. وللتي فقدت عزيزاً قد يكون فيه سلوان وحنين. وللتي تعمل خارج بيتها قد يعبر عن حاجتها إلى توازن بين دورها المهني والأسري. وكل ذلك احتمالات متعددة، ولا يصح الجزم بواحد منها دون الآخر.
ومن الدقائق التي تنفع في التأويل حالة الثياب في الحلم، فنقاؤها يدل على صفاء النية وراحة البال، وحجابها وسترها قد يعبران عن إحساس بالوقار. وإن كانت تدعو لأولادها بأسمائهم فقد يعني ذلك أنهم يشغلون قلبها. وإن رأت أمها أو حماتها بجانبها فقد يتعلق الأمر بعلاقتها بهن. وإن شعرت بالعطش أو الجوع فقد يدل على حاجة روحية أو مادية تبحث عنها. وكلها إشارات رمزية تحتاج إلى فهم ذاتي هادئ.
وفي الجانب الروحي، لا يغني الحلم عن أي عبادة، وليس ضماناً بأن المرأة ستحج، ولا حكماً على منزلتها عند الله. ويمكن أن تستثمر هذا الشعور الطيب في أن تخصص كل يوم وقتاً للذكر والدعاء وقراءة شيء من القرآن حتى في زحمة أعمال البيت. وتذكر أن رعاية الأسرة بنية صالحة عبادة عظيمة عند الله، فلا تقلل من شأن ما تقوم به. ومن كانت تنوي الحج فلتسأل أهل العلم عن الأحكام المتعلقة بالنساء ومتطلبات السفر والمحرم بتفصيل.
وليكن في هذا الحلم دافع إلى تجديد الصلة بين الزوجين، فالحديث الهادئ والدعاء المشترك والتعاون على الطاعة يقوي البيت. ولا ينبغي للمرأة أن تتخذ من الحلم أساساً لتقييم زوجها أو علاقتها به، فالأحلام لا تصلح ميزاناً لحياة حقيقية. وإن احتاجت إلى مشورة في مشكلة أسرية فلتلجأ إلى من تثق بعلمه وحكمته. والصبر وحسن الخلق من أعظم مفاتيح الاستقرار.
وختاماً، فإن ما ذُكر اجتهاد بشري ظني قد يصيب وقد يخطئ، ولا يجوز أن يُبنى عليه قرار حقيقي في زواج أو سفر أو مال. فالغيب لا يعلمه إلا الله وحده. فلتدع الرائية ربها بالتوفيق لها ولأسرتها، ولتحسن الظن به، ولتأخذ بالأسباب المشروعة في شؤونها، ثم تتوكل عليه سبحانه.
وتلخيصاً لما سبق، فإن أجمل ما في هذه الرؤيا ما تبعثه من شعور بأن للإنسان وجهة روحية يعود إليها مهما كثرت مشاغله. وتلك الوجهة متاحة للمرأة المتزوجة في بيتها وبين أولادها بالصلاة والذكر والإحسان، دون أن يتوقف ذلك على سفر أو رحلة. فمن اغتنمت هذا المعنى كان لها من الحلم أكبر الفائدة، سواء وافق تفسيره الحقيقة أم خالفها.
