قد يرى النائم أنه شرع في الحج لكنه لم يتمكن من إتمامه، فتعتريه عند الاستيقاظ حسرة وحزن، وقد يتساءل في نفسه عن معنى هذا المشهد. وأول ما يجب أن يُقال بكل رفق ووضوح إن هذا الحلم ليس علامة على رفض الله لأحد، ولا هو نذير شر أو فأل سيئ، ولا يدل على سوء حال الرائي عند ربه. فالأحلام رموز يتداخل فيها الشعور والذاكرة والرغبة والخوف، وتفسيرها اجتهاد ظني لا يبلغ درجة اليقين، ولذلك فمن رأى هذا الحلم فليأخذه بهدوء وطمأنينة، وليحسن الظن بربه الرحيم الكريم.
الحج في الرؤى يرمز عامة إلى التوبة وبدء صفحة جديدة، والرغبة في القرب من الله، وإجابة الدعاء، والفرج بعد الشدة، وأداء ما في الذمة من الواجبات. فإذا جاء الحلم بصورة عدم الإتمام، فأقرب ما يُفهم منه رمزيًا أنه إشارة إلى أمر عزم عليه الرائي ولم يكتمل بعد، أو إلى شعور بالنقص والتقصير في أمر يتعلق بالطاعة أو بمسؤولية ما. وقد يكون انعكاسًا لشوق كبير لم تتحقق أسبابه بعد، أو لرغبة في الحج تقف دونها ظروف عملية كالمال والوقت والصحة. وقد يرمز أيضًا إلى مشروع يحتاج إلى مزيد من الصبر والمثابرة قبل أن يصل إلى غايته.
نُسب إلى ابن سيرين أن رؤية الحج في المنام تدل في الغالب على الخير وقضاء الحاجات وإتمام الأمور، وذهب بعض المفسرين إلى أن ما يعرض في المنام من عوائق في الطريق قد يشير إلى تأخر المقصود لا إلى فواته. وذهب النابلسي في بعض ما نُقل عنه إلى أن أمور الحج في الرؤى تدل على وفاء العهود، وأن النقص فيها قد يعبّر عن حاجة الرائي إلى تدارك ما قصّر فيه. وهذه النقول ليست قاطعة في ثبوتها، وقد يختلف فيها أهل التأويل اختلافًا ظاهرًا، ولذلك فإنها تُذكر للتأمل والاستئناس، ولا تُجعل أصلًا يُستدل به على حال أحد.
يتغير معنى الحلم بتغير الحال التي يراها الرائي. فإن رأى أنه لم يتمكن من الإتمام بسبب مرض أو ضيق وقت أو زحام، فقد يُحمل ذلك على ظروف خارجة عن إرادته تؤخر بعض أحلامه، وفي ذلك ما يدعو إلى الصبر وعدم اللوم الشديد للنفس. وإن رأى أنه ترك الحج بإرادته، فقد يكون في الحلم تنبيه لطيف إلى تسويف في أمر يعرف أنه ينبغي ألا يؤخره. وإن بكى لعدم الإتمام، فذلك دليل رقة وحنين صادق. وإن شعر بالراحة رغم عدم الإتمام، فقد يعني أن المشهد لا يحمل ثقلًا في نفسه، ولا حاجة لتحميله ما لا يحتمل من التأويل.
وللفتاة غير المتزوجة قد يشير الحلم إلى أمر بدأته ولم يكتمل كدراسة أو عمل أو ارتباط، فيكون الأمر دعوة لها إلى الصبر وحسن التوكل وعدم التعجل في النتائج. وللمرأة المتزوجة قد يعبّر عن مسؤوليات متراكمة تحول بينها وبين ما تتمنى من الطاعات، فتُدعى إلى الرفق بنفسها وإلى أن تعلم أن خدمة أسرتها بنية صالحة باب عظيم من أبواب الخير. وللرجل قد يرمز إلى التزام لم يتمكن من الوفاء به بعد، فيكون الدافع إلى السعي المشروع. وللحامل قد يعكس شعورها بالتقييد والتعب. وللمريض قد يكون صدى لمنع العجز له عن بعض ما يحب، وفي الصبر على المرض عزاء وأجر.
ومن التفاصيل المؤثرة: في أي مرحلة توقف الحج، فمن توقف في بدايته قد يشير إلى أمر لم يتهيأ له بعد، ومن توقف قرب نهايته قد يشير إلى أن ما بقي يسير ويحتاج صبرًا. وسبب التوقف في الحلم له أثره، فالعائق الخارجي يوحي بتأخر الأسباب، والعائق الداخلي كالتردد يوحي بحاجة إلى حسم النية. ووجود من يعين الرائي أو يواسيه قد يرمز إلى عون يأتيه. وإذا كان الحلم قد انتهى بشعور بالأمل، فهو غالبًا أخف على النفس من أن يكون مصدر حزن. ولا ينبغي أن يتحول إلى هاجس يتكرر في الذهن.
ومن الجانب الروحي والعملي، لا يغني الحلم عن أي عبادة، ولا يعد عدم إتمام الحج في المنام حكمًا على أحد، فالله تعالى أرحم بعباده من أن يُؤخذ حالهم من مشهد منامي. وليس مجرد رؤية الحج في المنام ضمانة لأدائه في الواقع، كما أن عدم الإتمام فيها ليس دليل حرمان. فمن رأى هذا الحلم فليتخذه باعثًا إلى التوبة والاستغفار وتجديد النية والمحافظة على الفرائض والإكثار من الأعمال الصالحة. وإن كان في قلبه شوق إلى الحج فليأخذ بالأسباب المشروعة وليدع الله أن يُيسره له، فأمر التوفيق عنده سبحانه.
وختامًا، فإن ما سبق اجتهاد بشري ظني قد يصيب وقد يخطئ، ولا يجوز أن يكون مستندًا لقرار حقيقي في السفر أو المال أو العمل أو غيره. والأولى للرائي أن يقابل الحلم بالدعاء وحسن الظن بالله تعالى، وأن يستعيذ بالله من وساوس الشيطان، فهو الذي يحب أن يُحزن المؤمنين. والغيب لا يعلمه إلا الله وحده، ورحمته وسعت كل شيء، ومن رجع إليه صادقًا وجد بابه مفتوحًا.
