يحدث أن يرى الإنسان في منامه أنه يؤدي الحج لا لنفسه بل نيابة عن شخص آخر، قريب أو صديق أو من لا يعرفه تماماً. ويشعر في الحلم بمسؤولية خاصة وبرغبة في أن يؤدي ما عليه على أكمل وجه. وهي رؤيا لافتة لأنها تحمل معنى حمل أمانة عن الغير، وكثيراً ما يراها من يحمل في يقظته التزاماً أو وعداً أو دَيناً معنوياً. ولا بد من التنبيه إلى أن الرؤيا رمز ولا تُحمل على ظاهرها، وأن التأويل اجتهاد وليس حكماً.
يدل الحج والعمرة في المنام على التوبة وتجديد النية وقصد القرب من الله، وعلى فرج بعد كرب وأداء لأمانة أو وفاء بعهد. وعندما يكون الحج نيابة عن آخر تقوى دلالة الأمانة والمسؤولية، إذ يقوم الرائي بما كان على غيره. فقد يرمز ذلك إلى أنه يتحمل عن أهله أو أصدقائه عبئاً، أو يسعى في قضاء حاجة لهم، أو يؤدي وعداً قطعه. وهذا من المعاني الطيبة التي تشير إلى حسن النية والإيثار.
ونُسب إلى ابن سيرين في بعض ما نُقل عنه أن الحج يدل على قضاء الدين وأداء الأمانة وتحقق الحاجات لمن كان أهلاً لذلك. وذهب النابلسي في بعض ما نُقل عنه إلى أن رؤية الحج تدل على الوفاء بالعهود وأداء الفرائض. وقد يفهم بعضهم من حج الإنسان عن غيره أنه يقوم بتبعات لا تخصه أو يتوسط في قضاء حق. ويظل هذا كله من اختلاف المعبرين، فلا يُنسب إليهم قول قاطع، ويُؤخذ بحذر.
ويختلف المعنى بحسب مشاعر الرائي. فإن كان مطمئناً فرحاً بما يؤدي فذلك أقرب إلى معاني الرضا بحمل المسؤولية وقدرة على الوفاء. وإن كان مثقلاً خائفاً من التقصير فقد يعبّر عن قلق يحمله في اليقظة تجاه التزام لم يوفِ به بعد. وإن كان الشخص المنوب عنه معروفاً فقد تتعلق الرؤيا بعلاقة الرائي به أو بشيء يخصه عنده. وإن كان مجهولاً فقد تشير الرؤيا إلى عموم الخير والإيثار.
وللرجل قد يدل الحلم على التزام مالي أو أسري يشعر بثقله ويرجو أن يؤديه كما ينبغي. وللمرأة المتزوجة قد يعكس شعورها بالقيام بأعباء كثيرة عن أهلها وأسرتها، مع أمل في أن يُقبل منها ذلك ويُجزى خيراً. وللفتاة غير المتزوجة قد يشير إلى رغبتها في برّ أهلها وحمل شيء عنهم. وللمريض قد يعبّر عن رغبة في أن يظل نافعاً رغم حاله. وكل هذه التفسيرات احتمالات لا يقين فيها.
ومن التفاصيل التي يلتفت إليها المعبرون ما يقوله الرائي في الحلم من نية أو دعاء عن غيره، فتكرار اسم الشخص قد يدل على أنه يشغل بال الرائي. وإن حمل أمتعة الغير أو مالهم في الحلم فقد يرمز إلى أمانة حقيقية بين يديه. ووضوح الغاية وسهولة الأداء قد يشيران إلى سلامة القصد وحسن الاستعداد. أما الارتباك أو النسيان فقد يعكس إحساساً بالمسؤولية الثقيلة فحسب، لا نذير سوء.
وفي ما يخص الأحكام الفقهية الفعلية للحج عن الغير، فقد بحث العلماء شروطاً وتفاصيل في ذلك، ولا يصح أن يُستنبط شيء منها من حلم. فمن كان عنده سؤال حقيقي عن الحج نيابة عن أحد، فعليه أن يسأل عالماً مؤهلاً ثقة يبين له ما يلزم. والحلم ليس إذناً ولا تكليفاً، ولا يغني عن أي عبادة ولا يجعل حجاً صحيحاً ولا يحتسب به. وإنما يستفيد منه الإنسان بأن يتفقد ما عليه من أمانات وحقوق ويوفي بها ما استطاع.
ومن الحكمة أن يتأمل الرائي في ما يحمله من التزامات في حياته اليومية، فربما كان الحلم تذكيراً بحق لأحد عنده لم يؤده بعد، كوعد قديم أو مبلغ صغير أو زيارة مؤجلة أو اعتذار لم يُقدَّم. وليس في هذا التأمل ما يوجب الخوف، بل هو فرصة لإبراء الذمة وتخفيف الحمل عن النفس. ومن بادر إلى أداء ما عليه شعر بخفة وراحة لا يعرفها من يؤجل ويتهرب. وسواء صح تأويل الحلم أم لم يصح فإن الوفاء بالحقوق والأمانات من أعظم الأعمال التي يرجى بها رضا الله تعالى.
وينبغي كذلك ألا يتحول الشعور بالمسؤولية إلى قلق مرهق أو إحساس بالذنب المبالغ فيه، فالدين يسر، والله لا يكلف نفساً إلا وسعها. ويكفي الإنسان أن يجتهد في حدود طاقته، وأن يستشير أهل العلم والخبرة فيما أشكل عليه، وأن يترك ما لا يقدر عليه إلى فضل الله. ومن الجميل أن يعين المرء غيره في الخير ويحمل عنهم ما استطاع بنية صادقة، لكن ذلك يكون بالمعروف وفي حدود الشرع والقدرة. وبهذا تتحول الرؤيا إلى دافع إيجابي يزرع في القلب حب العطاء دون إرهاق أو ضيق.
وختاماً فإن هذا التفسير اجتهاد بشري ظني، قد يصيب وقد يخطئ، ولا يجوز أن يُتخذ سبباً لقرار حقيقي في مال أو سفر أو التزام. فالغيب لا يعلمه إلا الله وحده، ولا يطلع عليه أحد. فليدع الرائي ربه أن يعينه على أداء ما عليه، وليحسن الظن به، وليأخذ بالأسباب المشروعة في كل أمر.
