من الرؤى التي تحرك المشاعر أن يرى الإنسان نفسه يؤدي الحج عن شخص متوفى، أباً كان أو أماً أو قريباً أو صديقاً. ويكون في الحلم نوع من الإحساس بالواجب والمحبة والرغبة في أن يصل الخير إلى من رحل. وهذه الرؤيا تأتي غالباً لمن فقد عزيزاً ويحمل في قلبه شوقاً وحرصاً على بره بعد موته. وسنتناولها بلطف وتأنٍ، مؤكدين أنها رمز لا يُحمل على ظاهره، وأننا لا نقطع بشيء عن حال أحد.
الحج في المنام يدل عادة على التوبة والقرب من الله ورجاء الفرج وأداء الحقوق. وحين يكون عن ميت يغلب عليه معنى الوفاء والبر والرغبة في إيصال الخير، وهي معان جميلة تعكس صفاء قلب الرائي. وقد يكون الحلم استجابة نفسية طبيعية لمرحلة الحزن، فالإنسان يفتش عن طرق ليبقى على صلة بمن أحب، وأعظم الطرق عنده تلك التي تتصل بالعبادة والدعاء. وفي ذلك سكينة نفسية مشروعة لمن يحتاجها.
ونُسب إلى ابن سيرين في بعض ما نُقل عنه أن الحج يدل على قضاء الدين وأداء الأمانة، وقد يفهم من ذلك في هذه الصورة أن الرائي يرغب في سداد حق عن الميت أو إتمام ما بقي عليه. وذهب النابلسي في بعض ما نُقل عنه إلى أن الحج يرمز إلى الوفاء بالنذر والعهد. ومع ذلك فإن أهل العلم يحذرون من الجزم بحال الأموات استناداً إلى الرؤى، ويرون أن الأمر موكول إلى الله. وكل ذلك يُنقل بحذر وتواضع، ولا يصح أن يُتخذ دليلاً على شيء.
ويتغير معنى الحلم بحسب الأجواء. فإن كان الرائي يشعر بالسكينة والرضا أثناء أدائه فقد ينعكس ذلك على نفسه راحة وانشراحاً وهو ما يُحمد. وإن كان يبكي بحرقة فقد يكون ذلك تنفيساً عن حزن مكبوت. وإن ظهر الميت في الحلم شاكراً أو ساكتاً، فقد يعبر ذلك عن حاجة الرائي لسماع كلمة طمأنينة، ولا يصح أن يُستنتج منه شيء عن حال الميت. وإن بدا في الحلم تعب أو ارتباك فقد يكون مجرد صورة لإحساس الرائي بثقل الفقد.
وللمرأة التي فقدت أباً أو أماً قد يعبّر الحلم عن وفاء الابنة وحبها العميق وحاجتها إلى الإحساس بأنها لم تقصّر. وللرجل قد يعبّر عن شعوره بمسؤولية نحو أهله الراحلين وعن رغبته في أن يخلفهم بخير. وللفتاة قد يكون تعبيراً عن شوق لشخص كان سنداً لها، وللحامل عن مشاعر رقيقة وتأمل في الحياة والموت. وللمريض قد يحمل معنى الرغبة في ترك أثر طيب. وهذه كلها قراءات إنسانية لا تقطع بشيء.
ومن التفاصيل التي قد تتضح في الحلم اسم الميت وصلته بالرائي ومكان وقوفه، وكلها تدل على موضع الشوق الأكبر. وقد يرى الرائي أوراقاً أو أمتعة تخص الميت فيُفهم ذلك على أنه رغبة في تسوية شيء متروك. وقد يشعر بخفة عند إتمام المناسك فيكون في ذلك علامة على راحة داخلية. ولا ينبغي أن يُستنبط من هذه الإشارات أحكام شرعية أو التزامات مالية بغير علم.
أما في الواقع، فقد بحث العلماء مسائل الحج عن الميت وبينوا فيها شروطاً وتفاصيل، ومن كانت لديه نية حقيقية في ذلك فعليه أن يسأل عالماً ثقة يفصل له الأمر. والحلم لا يُعد دليلاً على وجوب شيء ولا يُغني عن شيء، ولا يجعل حجاً مقبولاً أو يُحتسب لأحد. والأولى للرائي أن يكثر من الدعاء للميت والصدقة عنه إن استطاع، وأن يبر أقاربه وأصدقاءه، وهذه أبواب خير واسعة يرجى فيها الأجر.
ومن المفيد أن يلاحظ الرائي أن الحزن على من رحل قد يتخذ في الأحلام صوراً عدة، فتارة يظهر في هيئة عبادة وتارة في هيئة لقاء وتارة في هيئة رحلة، وكلها تعبّر عن حاجة القلب إلى أن يفعل شيئاً من أجل من يحب. فإذا استيقظ الإنسان وفي نفسه رغبة في البر فليعتبرها نعمة وليعمل بها في حدود ما يقدر عليه. وليس ضرورياً أن تكون الأعمال كبيرة، فكلمة دعاء صادقة أو صدقة صغيرة تُقدَّم بنية خالصة لها وزنها عند أهل العلم. ومن الخير أن يحتسب الإنسان همه وحزنه فهما من أبواب الأجر لمن صبر.
وإذا تكرر الحلم أو أثقل على صاحبه فلا بأس أن يتحدث عنه مع من يثق به من أهله أو مع شيخ ناصح، فالكلام يخفف الحمل. ولا ينبغي أن يجعل من الرؤيا سبباً للانقطاع عن شؤون حياته أو الإفراط في الحزن، فالراحلون يُسعدهم في الغالب أن يرى أحباؤهم يواصلون حياتهم بخير وطاعة. ويمكن للمرء أن يستعين بالصبر والصلاة والذكر في مواجهة مشاعر الفقد، فهي مما يعين على السكينة. وبهذا يكون الحلم بداية لشفاء معنوي لا بداية لقلق جديد.
وفي الختام نقول إن ما ذُكر اجتهاد بشري ظني قد يصيب وقد يخطئ، ولا يجوز أن يُبنى عليه قرار حقيقي أو حكم على أحد. فالغيب لا يعلمه إلا الله، ورحمته وسعت كل شيء. فليدع الرائي لمن فقده بالرحمة والمغفرة، وليحسن الظن بربه الكريم، وليطمئن بأن ما يقدمه بإخلاص لا يضيع عند الله.
