قد يرى الإنسان أنه يؤدي الحج في وقت غير وقته المعروف، كأن يكون في الشتاء أو في شهر لا يرتبط بالحج، ويجد الحرم هادئاً أو عادياً بلا تلك الأعداد الكبيرة من الحجاج. وقد يتعجب في الحلم من هذا التوقيت أو لا ينتبه إليه إلا بعد الاستيقاظ. وهذه الرؤيا تحدث لأن الحلم لا يلتزم بقواعد الزمان والمكان كما في اليقظة، فهو يمزج الصور ويقدم ما يشغل النفس. ولا بد من التنبيه إلى أن الرؤيا رمز لا يُحمل على ظاهره، وكل تأويل لها اجتهاد.
الحج والعمرة في المنام يدلان في الأصل على التوبة وتجديد النية والقرب من الله والفرج بعد الضيق وأداء الأمانة. واختلاف الوقت في الحلم لا يغير هذه المعاني الأساسية، بل قد يضيف إليها دلالة أن شوق القلب إلى الله لا ينتظر موسماً معيناً، وأن باب التوبة مفتوح في كل حين. فكأن الحلم يقول إن العودة إلى الله ممكنة الآن وليست مؤجلة إلى وقت مناسب. وهذا معنى مريح لمن يؤجل التغيير في حياته.
ونُسب إلى ابن سيرين في بعض ما نُقل عنه أن الحج في المنام يُرجى منه الخير وقضاء الحاجة لمن كان صالحاً. وذهب النابلسي في بعض ما نُقل عنه إلى أن رؤية الحج تدل على التوبة والوفاء بالعهد. وأما اختلاف التوقيت فلم نجد فيما يُنقل عنهم تفصيلاً قاطعاً، وقد يلحقه بعض المعبرين بغرابة الأحلام التي تخلط الأزمنة، وبعضهم يجعله تعبيراً عن تغير في الأحوال. ولذلك تبقى الأقوال احتمالات لا ينبغي الجزم بها.
ويتغير معنى الحلم بحسب شعور الرائي. فإن كان مرتاحاً لهدوء الحرم وخلوه من الزحام فقد يعبر ذلك عن شوق إلى السكينة وإلى عبادة هادئة. وإن كان مستغرباً أو قلقاً من التوقيت فقد يعبر عن قلقه من عدم الجاهزية لأمر ما. وإن كان فرحاً بأنه استطاع أن يحج متى شاء فقد يعبر عن رجاء بتيسير الأمور. وإن لم يشعر بشيء معين فقد يكون الحلم مجرد صورة عابرة من حديث النفس.
وللرجل قد يعبر الحلم عن رغبة في التغيير دون انتظار الظروف المثالية، وللمرأة عن حاجة إلى لحظة صفاء وسط الانشغال. وللشاب قد يعبر عن تطلع إلى بداية جديدة، وللمسن عن رضا وسكينة. وللمريض قد يعبر عن أمل في أن تسعه رحمة الله في أي وقت. ولمن أجّل التوبة طويلاً قد يكون الحلم تذكيراً لطيفاً بأن الوقت مناسب الآن. وهذه كلها احتمالات تأملية.
ومن التفاصيل التي قد يُلتفت إليها: حالة الطقس في الحلم، فالبرد قد يدل على هدوء وسكينة والحر على مشقة، والمطر على رحمة. وقلة الناس قد تعبر عن رغبة في خلوة، وكثرتهم عن حنين إلى الجماعة. وإن رأى نفسه يسأل عن سبب هذا التوقيت فقد يعبر عن حيرة داخلية. وإن رأى القمر أو النجوم فقد يتصل الحلم بنية طلب الهداية. وهذه الإشارات رمزية لا تفيد القطع.
وفي الجانب الروحي والعملي لا بد من التنبيه إلى أن الحج عبادة لها أوقات معلومة عند أهل العلم، ولا يُبنى على الحلم تغيير في ذلك، ولا يجوز اعتبار الحلم دليلاً على صحة عمل في غير وقته. ومن كان يريد العمرة فهي مشروعة في سائر العام عند أهل العلم بأحكامها وضوابطها، ومن كانت لديه أسئلة فليسأل عالماً ثقة. والحلم ليس عبادة ولا يغني عنها ولا يعد أداءً لها، وإنما هو فرصة للتأمل.
ومن الدروس الطيبة التي يمكن أن يستخلصها الإنسان أن القرب من الله لا يقتصر على مواسم معينة، وأن العمل الصالح المنتظم في كل شهر خير من الاجتهاد الموسمي المتقطع. فمن جعل لنفسه برنامجاً دائماً من الصلاة والذكر وقراءة القرآن وصلة الأرحام والصدقة ولو بالقليل، فقد جعل أيامه كلها مواسم للخير. وهذا أجمل ما يفيده الحلم الذي يتحدى حدود الزمان.
وقد يخطر ببال بعض الناس أن غرابة التوقيت علامة على أمر خطير، والصحيح أن الأحلام كثيراً ما تأتي بتفاصيل غير منطقية، ولا ينبغي أن يُقلق الإنسان نفسه بها. فالأحلام تتشكل من بقايا الذاكرة والمشاعر، وغالبها لا يحمل معنى مقصوداً. ويكفي أن يأخذ الإنسان ما فيه خير ويترك ما سواه، دون أن يحمّل الحلم ما لا يحتمل.
وفي الختام، فإن هذا التفسير اجتهاد بشري ظني قد يصيب وقد يخطئ، ولا يجوز أن يُبنى عليه قرار حقيقي في سفر أو عبادة أو مال. فالغيب لا يعلمه إلا الله وحده. فليدع الرائي ربه أن يرزقه الخير في كل وقت، وليحسن الظن به، وليأخذ بالأسباب، ثم يتوكل عليه سبحانه.
وليحمد الله على أن جعل أبواب الطاعة مفتوحة في كل يوم وليلة، وليبادر إلى ما يستطيع منها بنية صادقة، فإن الأعمال بالنيات، والله لا يضيع أجر من أحسن عملاً.
