الصلاة في المسجد النبوي في المنام من الأحلام التي يخرج منها الرائي بقلب مطمئن ونفس هادئة، فهي تجمع بين شرف المكان وروحانية الصلاة. وقد يرى الإنسان نفسه في صف طويل من المصلين، أو في ساحات المسجد الواسعة، أو تحت مظلاته الكبيرة، فتعلق في ذاكرته مشاعر السلام. وكما في كل الرؤى فإن هذا المنام رمزي، ولا يدل بالضرورة على سفر أو زيارة قادمة، وإنما يعبّر عن حال القلب وشوقه. ولذلك فالأولى أن يُقرأ بروح التأمل لا الجزم.
والصلاة في الرؤى ترمز إلى الصلة بالله والالتزام وأداء الأمانة، وإذا وقعت في المسجد النبوي اجتمع فيها معنى الاقتداء والمحبة لصاحب المقام الشريف. فقد تدل على رغبة الرائي في أن يكون أقرب إلى السنة والهدي، وعلى استقامة يريدها لحياته. وقد ترمز إلى سكينة بعد قلق، وراحة ضمير بعد تقصير، وإلى شعور بأن أبواب الخير مفتوحة. وقد تعبّر عن انتماء إلى جماعة المسلمين وارتباط بهم. وقد تدل على رجاء في أن تُقبل الأعمال الصالحة.
وقد نُسب إلى ابن سيرين فيما يتداوله أهل التعبير أن الصلاة في المسجد الشريف تدل على الخير والأمن وصلاح الدين، وربما على قضاء الحاجة وتفريج الهم. وذهب بعض المفسرين إلى أن من صلى في مسجد النبي فقد يُرجى له التوفيق والصحبة الطيبة والعلم النافع، من باب الفأل. وقال آخرون إن الدلالة تتفاوت بحسب حال الرائي وسياق الحلم وما فيه من مشاعر. وهذه أقوال يتفاوت ثبوتها وتختلف فيها وجهات النظر، فلا تؤخذ على أنها حقائق قاطعة.
وتتغير الدلالة بحسب سياق الصلاة، فمن صلى في الصف الأول فقد يعبّر ذلك عن حرصه على الخير وسبقه إليه، ومن صلى في آخر الصفوف فقد يدل على تواضعه وبساطته. وإن كان إماماً فقد يدل على تحمله مسؤولية يؤديها بأمانة، وإن كان مأموماً فقد يدل على انقياده للحق وإحسانه الاتباع. وإن صلى وحيداً في ركن هادئ فقد يوحي بخلوة ومناجاة. وإن بكى في سجوده فقد يعبّر عن رقة قلب وصدق توبة.
وللفتاة غير المتزوجة قد يكون الحلم إشارة إلى صلاح حالها وصفاء قلبها، وبشرى بتوفيق في أمر تتمناه، دون تحديد ما سيقع. وللمرأة المتزوجة قد يدل على سكينة بيتها وصلاح أبنائها، وعلى دعائها لهم بالهداية. وللرجل قد يعبّر عن حرصه على الجماعة والاستقامة وأداء الأمانات، وعن رغبة في التوبة. وللحامل قد يكون الحلم فأل خير وطمأنينة، وللمريض بارقة أمل وأنس، مع الاستمرار في العلاج، فالشفاء من الله وحده.
ومن التفاصيل الدقيقة التي تغني الفهم: هل كان وقت الصلاة فجراً أم عصراً أم عشاء، وهل كانت المظلات مفتوحة، وهل كان بجوار الرائي أحد يعرفه، وهل كان المسجد ممتلئاً. فصلاة الفجر قد ترتبط بالبدايات، وصلاة العشاء بالسكينة بعد التعب، والرفيق المعروف قد يدل على من يعينه في حياته. والمظلات المفتوحة قد توحي بالحماية والظل. وقد تتبدل الأمكنة داخل الحلم، وهذا شائع في الأحلام.
ومن المعاني التربوية في الحلم أن الصلاة في الجماعة تعلّم الانضباط والتساوي وتقديم ما هو أهم على ما سواه، فالصف المستقيم يعلّم الإنسان أن يكون جزءاً من كل. ومن رأى هذا الحلم فقد يتأمل في صلاته: هل يحضرها بقلبه؟ وهل يحافظ عليها في وقتها؟ وهل يترك من الوقت ما يكفي للخشوع؟ وهذه الأسئلة نافعة لكل مؤمن، وقد تجعل من الحلم نقطة تحول في علاقته بصلاته.
وقد يرى هذا الحلم أيضاً من يعيش في بلاد بعيدة لا يجد فيها مسجداً قريباً، فيعبّر عن حنينه إلى أجواء الجماعة والأذان والصفوف المتراصة. وفي ذلك دعوة إلى أن يصنع لنفسه في بيته أجواء إيمانية قدر المستطاع، وأن يحرص على الصلاة في وقتها وعلى تعليم أبنائه محبة المسجد. فالأمكنة المباركة تُحب، لكن الإيمان يسكن القلب أينما كان صاحبه.
وليتذكر الرائي أن الحلم لا يغني عن أي عبادة ولا عمل صالح، ولا يقوم مقام زيارة، وليس إخباراً مؤكداً بأنه سيصلي هناك، ولا شهادة على منزلة عند الله. فالله وحده يعلم من هو أقرب إليه. والأنفع أن يجعل المرء من الحلم حافزاً للمحافظة على الصلاة بخشوع وكثرة الصلاة على النبي صلى الله عليه وسلم. فالأعمال بالنيات.
وفي الختام فإن كل ما ذكرنا اجتهاد بشري ظني، قد يصيب وقد يخطئ، ولا يصلح أساساً لقرار حقيقي في سفر أو مال أو عمل. فالغيب لا يعلمه إلا الله، والمؤمن يقابل الرؤيا بالحمد والدعاء وحسن الظن بربه. فمن رأى ما سره فليشكر الله، ومن التبس عليه الأمر فليطمئن، فرحمة الله أوسع من كل ظن. نسأل الله أن يرزقنا الخشوع والثبات.
