السعي بين الصفا والمروة في المنام مشهد يحمل في طياته معنى الحركة والمحاولة والأمل، ولذلك يترك أثراً خاصاً في نفس من يراه. وكثير من الناس يرونه حين يمرون بمرحلة سعي في أمر ما، كطلب رزق أو علاج أو إصلاح ذات بين. ومن المهم أن نتذكر أن الأحلام تتحدث بالرموز، فلا يُفهم السعي في المنام على أنه سفر قادم، بل قد يكون انعكاساً لما في القلب من جهد وترقب. وفي هذا الباب يتجلى معنى جميل هو أن بذل الأسباب مع التوكل على الله طريق الفرج.
وقد ارتبط السعي في الوعي الإسلامي بقصة امرأة صالحة بذلت ما في وسعها طلباً للماء لولدها، وتوكلت على الله، فصار هذا المشهد رمزاً للجهد المقرون بالتوكل. ولذلك يقرأ كثير من المعبّرين السعي في المنام على أنه إشارة إلى كدّ وطلب وسعي في أمر مهم، مع رجاء أن يثمر في النهاية. وقد يدل على صبر طويل يعقبه فرج، أو على جهد في إصلاح الحال بعد ضيق. وقد يعبّر عن حرص الرائي على أداء ما عليه من التزامات والوفاء بحقوق من يعول. وقد يرمز إلى رحلة تجدد يتعين فيها أن يتحرك الإنسان ولا يسكن.
وقد نُسب إلى ابن سيرين فيما يتداوله أهل التعبير أن السعي في الرؤيا قد يدل على الجد في طلب الرزق أو الحاجة، وأنه قد يعبّر عن قضاء دين أو تحقق مطلب بعد جهد. وذهب بعض المفسرين إلى أن من رأى نفسه يسعى بين الصفا والمروة فهو على خير في مسعاه، وقد يُرجى له الظفر بعد مشقة. وقال آخرون إن الدلالة تتعلق بالتوبة والإنابة وبالحرص على ما ينفع. وهذه كلها نقول قد يخالف فيها بعض أهل العلم بعضاً، ويتفاوت ثبوتها، فتؤخذ على وجه التفاؤل لا الجزم.
ويتغير المعنى بحسب حال السعي في الحلم، فمن سعى بخفة ونشاط ويسر فهو أقرب إلى بشرى انفراج الأمر واستقامة السعي. ومن سعى بتعب ومشقة وبطء فقد يُقرأ على أن مطلوبه يحتاج إلى مزيد من الصبر والمثابرة. ومن سعى وهو يدعو ويرجو فقد يكون ذلك تعبيراً عن اعتماد على الله مع بذل الأسباب. وإن أحس أنه يكرر السعي دون نهاية فقد يكون انعكاساً لإرهاق أو قلق من أمر لم يُحسم.
وللفتاة غير المتزوجة قد يشير الحلم إلى سعيها في دراسة أو عمل أو إصلاح حال، وإلى أن مثابرتها قد تثمر بإذن الله. وللمرأة المتزوجة قد يرمز إلى جهدها في رعاية أسرتها وتوفير الاستقرار، وكأن الحلم يربّت على كتفها ويذكّرها بأن تعبها لا يضيع عند الله. وللرجل قد يعبّر عن كدّه في طلب الرزق وحرصه على أهله، وعن حاجته إلى الصبر والرضا. وللحامل قد يرمز إلى مشقة الحمل وترقب الولادة مع رجاء اليسر، وللمريض إلى جهاد مع الألم، والشفاء بيد الله.
ومن الدقائق التي تثري الفهم: هل كان الرائي يمشي أم يهرول في بعض المقاطع، وهل كان الطريق مزدحماً أم خالياً، وهل كان يسعى بمفرده أم بصحبة أحد. فالمشي الهادئ قد يوحي بالتأني، والهرولة قد توحي بمرحلة تحتاج إلى سرعة ومبادرة. والرفقة قد تعني وجود من يعين على الخير، والانفراد قد يعني أن العبء على عاتق الرائي وحده. وكل هذا من الرموز العامة التي لا تُبنى عليها أحكام قاطعة.
ويجدر بالرائي أن يتذكر أن الحلم لا يغني عن السعي الحقيقي في الحياة، فالرؤيا لا تقضي حاجة بذاتها، وإنما العمل والدعاء هما الطريق. وليس في رؤية السعي ضمان بأن صاحبها سيؤدي هذه الشعيرة، ولا هي حكم على منزلة أحد عند الله. والأنفع أن يستلهم الإنسان منها الدرس الجميل: أن يبذل ما يستطيع ثم يترك النتائج لله بقلب مطمئن. وهذا هو معنى التوكل الصحيح الذي يريح النفس.
ومما يحسن ذكره أن هذا الحلم قد يكون موجهاً إلى معنى الأمومة والرعاية والتفاني، لأن قصة السعي ارتبطت بحنان الأم على ولدها. فقد ترى الأم هذا الحلم في فترة قلقها على أبنائها، فيكون كأنه تذكير بأن ما تبذله من أجلهم لا يضيع، وأن الله يرزق من يتوكل عليه. وقد يراه الأب الذي يكدّ لتأمين لقمة العيش فيجد فيه تسلية وتشجيعاً على الاستمرار. وقد يراه الطالب المجتهد أو العامل المخلص فيستشعر أن الجهد الصادق له ثمرة ولو تأخرت. وهذه المعاني تبعث على الأمل، وتحثّ على الاستمرار في الخير دون يأس.
وفي الختام فإن كل ما ذُكر اجتهاد بشري ظني، لا يصلح أساساً لقرار حقيقي في عمل أو مال أو سفر. فالغيب لا يعلمه إلا الله، والمؤمن يقابل الرؤيا بالحمد والدعاء وحسن الظن بربه. فمن رأى خيراً فليبشر ويشكر، ومن شعر بالقلق فليفوّض أمره إلى الله، فهو الكافي وهو الرحيم. نسأل الله أن يثمر سعينا خيراً ويكتب لنا الفرج.
