قد يرى الإنسان في منامه ساعة الحرم الضخمة الشاهقة المطلة على المسجد الحرام، وهي تلمع في الأفق وتعلن مرور الوقت بوجهها الكبير. وكثيرون ممن رأوها في الواقع أو في الصور يحتفظون في ذاكرتهم بشكلها، فتعود إليهم في أحلامهم. وهذه الرؤيا رمزية لا تُحمل على ظاهرها، وتفسيرها اجتهاد ظني لا يُقطع به، وقد يكون لها أصل بسيط في ما رآه الرائي في يقظته. وسنعرض فيما يلي بعض المعاني العامة التي قد تُقرأ في هذا المشهد، بروح التأمل وبعيدًا عن التكلف في الجزئيات.
الساعة في الرؤى ترمز إلى الوقت والأجل والمواعيد والفرص والمسؤولية أمام مرور الأيام. وتقع هذه الساعة في جوار الحرم، فاجتمع فيها رمز الوقت مع رمز المكان المقدس. ويرمز الحج والعمرة في الرؤى عامة إلى التوبة وبدء صفحة جديدة، وإلى القرب من الله، وإلى الفرج وإجابة الدعاء، وأداء ما في الذمة. فقد يُفهم من رؤية الساعة قرب الحرم أن الرائي يشعر بقيمة الوقت وضرورة استثماره في الخير، أو أنه ينتظر موعدًا مهمًا في حياته، أو أنه يشعر بسرعة مرور الأيام وبحاجته إلى المبادرة بالتوبة والعمل. وقد تكون الصورة انعكاسًا لحرصه على الالتزام بالمواعيد والصلوات.
نُسب إلى ابن سيرين أن رؤية ما يدل على الوقت قد تدل على الأجل والمدة، وأن رؤية الأماكن المقدسة تدل على الخير والأمان في الجملة. وذهب بعض المفسرين إلى أن الأبنية العالية في الرؤى تدل على المنزلة والرفعة أو على ما يُنظر إليه من بعيد. وذهب النابلسي في بعض ما نُقل عنه إلى أن المباني الشاهقة تدل على الشرف والعلو، وأن الحرم يدل على الأمان والدين. ومن الواضح أن الأقدمين لم يعرفوا هذه الساعة المعاصرة، فالتطبيق على هذه الصورة اجتهاد من المتأخرين لا نص فيه، وللمفسرين فيه اختلاف. فهي إذن معانٍ عامة يُستأنس بها فقط، ولا يُنسب إلى أحد منهم قول في الساعة تحديدًا.
يتغير المعنى بحسب الحال والشعور. فإن رأى الساعة وهو مطمئن يشعر بالرضا، فقد يدل ذلك على تنظيم لوقته وبركة فيه. وإن رآها وهو قلق من الوقت، فقد يعكس ضغط المواعيد أو خشية التأخر في أمر ما. وإن رأى عقاربها تتحرك سريعًا، فقد يرمز إلى سرعة مرور الأيام وحاجة إلى المبادرة. وإن رآها متوقفة، فقد يعكس شعورًا بالركود أو بالانتظار الطويل، ولا يُحمل على شؤم. وإن رأى وقتًا معينًا ظاهرًا عليها، فلا يُثقل بتفسير عددي، فالأرقام في الأحلام كثيرًا ما تكون صورًا عابرة. وإن رآها مضيئة ليلًا، فقد يرمز إلى وضوح في أمر مشكل.
وللفتاة غير المتزوجة قد يدل الحلم على اهتمامها بالوقت والمستقبل وعلى خشية فوات فرصة، فتُدعى إلى الاطمئنان وإلى أن لكل أمر موعدًا عند الله. وللمرأة المتزوجة قد يدل على انشغالها بتنظيم أوقات البيت والعبادة والأولاد، وحاجتها إلى الرفق بنفسها. وللرجل قد يدل على أهمية الوقت في عمله ومشاريعه، وعلى ضرورة المبادرة بالتوبة والإصلاح قبل أن تمر الأيام. وللحامل قد يرتبط بموعد الولادة وانتظاره وما يصاحبه من ترقب. وللمريض قد يرتبط بطول الانتظار وسرعة مرور الأيام، فيكون في الحلم دعوة إلى الصبر والمحافظة على الأذكار. وكل ذلك احتمالات ظنية لا يُجزم بها.
ومن التفاصيل التي قد تضيف إلى الفهم: هل رأى الرائي الساعة وحدها أم مع الكعبة، فاجتماعهما قد يرمز إلى ربط الوقت بالقبلة، أي أن تكون أوقات الإنسان موجهة إلى الله. وهل كان الوقت قبيل الأذان، فقد يرمز إلى استعداد للصلاة. وهل كانت الساعة قريبة أم بعيدة، فالقريبة تدل على الإحساس بالوقت، والبعيدة قد تدل على أمر يلوح في الأفق. وقد يرى الرائي الساعة بشكل غير معتاد أو بحجم غريب، وهذه من خيالات الحلم. ولا ينبغي أن يُنشأ من هذه التفاصيل أي استنتاج بشأن موعد أو أجل، فذلك من الغيب الذي لا يعلمه إلا الله.
ومن الناحية الروحية والعملية، فلا يغني الحلم عن أي عبادة، ولا تُعدّ رؤية ساعة الحرم ضمانًا بزيارته، ولا حكمًا على منزلة الرائي عند الله. ولعل في الصورة، إن كان فيها دلالة، تذكيرًا بقيمة الوقت وبأن العمر فرصة تُغتنم بالطاعة. فليحرص الرائي على أداء الصلوات في أوقاتها، وعلى تنظيم يومه بما يتسع للذكر والقرآن والإحسان إلى الأهل، وليبادر إلى التوبة وقضاء ما عليه من حقوق دون تسويف. ومن الحكمة أن يتجنب القلق من الأجل أو التفكير فيه بسبب الحلم، فالأعمار بيد الله وحده.
وفي الختام، فإن ما ذُكر اجتهاد بشري ظني قد يصيب وقد يخطئ، ولا يصح أن يكون أساسًا لقرار حقيقي في المال أو السفر أو العمل أو غيرها. والأولى أن يقابل الرائي الحلم بالدعاء وحسن الظن بالله، وأن يستعيذ بالله من كل وسوسة. والغيب لا يعلمه إلا الله وحده، فهو الذي بيده آجال الناس وأرزاقهم ومواقيتهم. ومن أحسن الظن به وبادر بالعمل الصالح وجد في وقته بركة، وفي قلبه سكينة، والحمد لله على نعمة الوقت وعلى فرصة الرجوع إليه.
