رؤية الكعبة المشرفة في المنام من أجلّ الرؤى وأحبّها إلى النفوس المؤمنة، فهي قبلة المسلمين وأقدس بقعة في وجدانهم. ويراها بعض الناس وهم لم يزوروها قط، فتتولد في قلوبهم مشاعر هيبة وشوق عظيم، ويراها آخرون بعد زيارة سابقة فيتجدد فيهم الحنين. وقبل الخوض في التفسير ينبغي التنبيه إلى أن الرؤيا رمزية في أصلها، فلا تعني بالضرورة حدثاً بعينه سيقع في الواقع. وهي في الغالب تعبير عن حال النفس وتعلقها بما هو مقدس، وقد تكون في بعض الأحوال بشرى يقدّرها الله.
والكعبة في الرؤى رمز للثبات والاتجاه الصحيح والمرجعية التي يلتف حولها الناس، فهي مركز تتجه إليه الأرواح في كل صلاة. ولذلك يقرأها بعض المفسرين على أنها إشارة إلى الهداية والاستقامة، أو إلى رغبة الرائي في أن يكون له محور ثابت في حياته. وقد ترمز إلى الأمان بعد الخوف، والسكينة بعد القلق، ومعنى الأمن الذي ارتبط بالبيت الحرام في الوعي الإسلامي. وقد تدل أيضاً على الشوق الصادق للقرب من الله والرغبة في التوبة وبدء صفحة جديدة. وقد تعبّر عن مكانة اجتماعية طيبة أو سمعة حسنة بحسب بعض الأقوال.
وقد نُسب إلى ابن سيرين فيما يُتداول من كتب التعبير أن من رأى الكعبة فقد يُحمل ذلك على الخير والأمن، وأنها قد تدل على الإمام أو العالم أو الأب الذي يلجأ إليه الناس. وذهب بعض المفسرين إلى أن من رأى نفسه قريباً منها فهو قريب من الخير والصلاح، بينما قال آخرون إن الدلالة تتفاوت بحسب هيئة الكعبة وحال الرائي. وقد ذكر النابلسي في بعض ما نُقل عنه معاني تتصل بالدين والأمانة والوفاء بالعهود. ولا يخفى أن هذه النقول اجتهادات، قد يختلف فيها المفسرون وقد يتفاوت ثبوتها، فلا يصح الجزم بها.
ويتغير التأويل بحسب ما رآه الرائي في الحلم، فالكعبة المضيئة النظيفة الواضحة أقرب إلى البشرى والانشراح. وإن رآها من بعيد فقد يدل ذلك على غاية يسعى إليها ولما يبلغها، وإن رآها قريبة فقد يُفهم منه قرب تحقق أمل أو انفراج همّ. وللمشاعر دور كبير، فمن شعر بالخشوع والبكاء والراحة فذلك يعكس حالاً روحية صافية، ومن شعر بالرهبة فقد يكون تعبيراً عن تعظيم عميق للمكان. وكل ذلك مما يُقرأ برفق ودون تشدد.
وللفتاة غير المتزوجة قد يكون الحلم بشارة بالسكينة وصلاح الحال، وتفاؤلاً بزوج صالح أو خير في الدراسة والعمل، دون أن يكون ذلك وعداً محدداً. وللمرأة المتزوجة قد يدل على استقرار البيت وبركته، أو على رغبتها في أن يصلح الله حال أسرتها. وللرجل قد يشير إلى مسؤوليته تجاه أهله وأمانته، وإلى حاجته إلى مرجعية ثابتة في قراراته. وللحامل قد يكون الحلم مصدر طمأنينة وفأل حسن، وللمريض بارقة رجاء، مع أن الشفاء بيد الله والأخذ بالأسباب الطبية واجب.
ومن التفاصيل الدقيقة التي قد تؤثر في التأويل: هل كانت الكعبة في مكانها المعتاد أم في مكان غير مألوف، وهل كانت محاطة بالناس أم خالية، وهل كان كسوتها السوداء ظاهرة، وهل كان الوقت نهاراً أم ليلاً. فازدحام الناس حولها قد يوحي بالجماعة والألفة، وخلوها قد يوحي بالخلوة والصفاء الذاتي. وقد تختلط في الأحلام الصور فتظهر الكعبة بهيئة غريبة، وهذا من طبيعة الرؤى التي تمزج بين الواقع والخيال. وعليه فلا ينبغي بناء أحكام دقيقة على تفاصيل عابرة.
وليعلم الرائي أن رؤية الكعبة لا تغني عن أداء أي واجب ديني، ولا تقوم مقام صلاة ولا توبة ولا عمل صالح. وليست هذه الرؤيا ضماناً بأن صاحبها سيزور البيت الحرام، ولا حكماً على مكانته عند الله، فالله أعلم بعباده وبما في صدورهم. والأحرى أن يستثمر المرء أثر الحلم في تجديد النية، فيحافظ على صلاته، ويحسن إلى والديه، ويكثر من الذكر والصدقة. وإن اشتاق إلى زيارة البيت فليسأل الله أن ييسر له، دون أن يجعل الحلم أساساً لقرار.
ومما يلفت النظر في هذا الحلم أن الكعبة تحمل في الذاكرة الجمعية معنى المركز الذي يلتقي عنده الناس على اختلاف لغاتهم وألوانهم، ولذلك قد يعبّر ظهورها في المنام عن حنين الرائي إلى جماعة صالحة يطمئن إليها. وقد يراها من يشعر بالغربة في بلد أو عمل أو بين أهل، فتأتيه كأنها تذكير بأن له سنداً أكبر من كل غربة. وقد تظهر لمن كان في مفترق طرق يبحث عن قرار سليم، فتكون صورة لحاجته إلى بوصلة ثابتة. ويبقى الأفضل دائماً أن يستعين المرء في قراراته بالاستخارة والمشورة لا بالأحلام وحدها.
وأخيراً، فإن ما ذُكر في هذه السطور اجتهاد بشري ظني، لا يُبنى عليه قرار حقيقي في أمر من أمور الدنيا. فالغيب لا يعلمه إلا الله، والمؤمن يستقبل الرؤيا الطيبة بالحمد والدعاء وحسن الظن بربه. ومن رأى ما يحب فليستبشر ويشكر، ومن التبس عليه الأمر فليترك التفسير وليتوكل على الله فهو أرحم الراحمين. نسأل الله أن يجعل قلوبنا معلقة بالخير وأن يرزقنا الأمن والإيمان.
