رؤية جبل عرفات في المنام، سواء من بعيد أو وأنت واقف عند سفحه أو صاعد إليه، من الرؤى التي تفتح في القلب باب الرجاء. وهو من الأحلام التي قد يراها الحاج السابق فيحن إليها، وقد يراها من لم يحج فيستغرب كيف رأى ما لم يعاينه. ومن المهم أن نتذكر أن الأحلام لا تُقرأ حرفياً، فالجبل في المنام ليس خبراً عن رحلة قريبة، بل صورة رمزية لما في النفس من تطلعات. ولذلك فإن أنفع ما فيها هو الشعور الطيب الذي تتركه عند الاستيقاظ، وما تدعو إليه من تأمل.
والجبل في الرؤى يرمز عند كثير من المفسرين إلى الثبات والعلو والمنعة، وإلى الرجل صاحب المكانة أو السلطان أو الأصل الراسخ. وإذا كان هذا الجبل هو جبل عرفات فإن المعنى يمتزج بالرجاء والدعاء والتوبة، لأن عرفة في الوعي الإسلامي موطن الاستغفار والتضرع. فقد يدل الحلم على أمل كبير يعلّقه الرائي على رحمة الله، وعلى رغبة في أن يُرفع عنه ثقل أو هم. وقد يرمز إلى مرتبة أعلى يتطلع إليها في علم أو عمل أو خلق. وقد يعبّر كذلك عن مكان آمن يلجأ إليه في زمن الاضطراب.
وقد نُسب إلى ابن سيرين فيما يتداوله أهل التعبير أن الجبل في المنام قد يدل على رجل عظيم أو ذي منعة، وأن الصعود إليه قد يدل على بلوغ مكانة أو قضاء حاجة. وذهب بعض المفسرين إلى أن من رأى عرفات فقد يُحمل ذلك على الخير والأمن وقضاء الحاجة، بحسب حال الرائي. وقال آخرون إن الرؤية من بعيد قد تدل على أمل لم يتحقق بعد، لكنه قريب بإذن الله. وهذه أقوال لا تخلو من الاختلاف، ويتفاوت ثبوتها، فلا تؤخذ على أنها يقين.
ويختلف التأويل بحسب هيئة الجبل وحال الرائي، فمن رآه واضحاً مضيئاً وفي قلبه سكينة فهذا أقرب إلى البشرى وانشراح الصدر. وإن رأى نفسه يصعده بيسر فقد يدل على سهولة بلوغ غايته، وإن صعده بمشقة فقد يعبّر عن صبر مطلوب في طريقه إلى هدفه. وإن رأى الجبل محاطاً بالحجاج فقد يوحي بالاجتماع على خير، وإن رآه خالياً فقد يوحي بخلوة وتأمل. وإن رأى الغيم يغطيه فقد يكون ذلك من تداخل الصور في الأحلام.
وللفتاة غير المتزوجة قد يكون الحلم رمزاً لأمل كبير تحمله في قلبها، وبشرى بأن الله لا يضيع الرجاء الصادق، من غير تحديد لما سيقع. وللمرأة المتزوجة قد يشير إلى ثبات بيتها واستقراره، وإلى دعائها المتواصل لأسرتها. وللرجل قد يرتبط بطموح مهني أو علمي أو بمسؤولية يطمح إلى أن يؤديها بصدق. وللحامل قد يمنحها الحلم طمأنينة وتفاؤلاً، وللمريض رجاء وصبراً، مع الاستمرار في العلاج، فالشفاء بيد الله.
ومن التفاصيل الدقيقة التي قد تغني الفهم: هل رأى الرائي الجبل من الأسفل أم من الأعلى، وهل كان يقف على صخرة أم على أرض مستوية، وهل رأى حوله مباني أم صحراء. فالنظر من الأعلى قد يدل على رؤية أوسع للأمور وهدوء في التقدير، والنظر من الأسفل قد يدل على تطلع. والصخرة قد توحي بالثبات، والأرض المستوية بالسهولة. وقد تتداخل مشاهد الجبل مع جبال أخرى في الذاكرة، وهذا شائع.
ومن اللطائف في هذا الحلم أن عرفة مكان يتساوى فيه الناس، ويقفون فيه جميعاً بلا فوارق، وهذا يعلّم المؤمن أن العلو الحقيقي هو علو القلب بالتقوى لا علو المنصب. فمن رأى الحلم فقد يتساءل: ما الذي يرفعني حقاً عند الله؟ وهل أقدّم أمر الآخرة على ما سواه؟ وهذه الأسئلة المراجِعة هي أنفع ما يخرج به من الحلم. وهي تذكّر بأن الارتفاع الحقيقي يكون بالتواضع والإخلاص.
وليكن واضحاً أن الحلم لا يغني عن أي نسك ولا عن التوبة والعمل الصالح، ولا يقوم مقام شيء من العبادات. وليس في رؤية جبل عرفات ضمان بالحج، ولا حكم على منزلة الرائي عند الله، فالله أعلم بعباده. والأفضل أن يجعل المرء من الحلم حافزاً لتجديد الدعاء والاستغفار، وصلة الرحم، وحفظ الأمانة. فالعبرة بالقلب والعمل لا بالأحلام.
وقد يكون لهذا الحلم وجه نفسي واضح عند من يمر بفترة طويلة من الانتظار، كانتظار شفاء أو عمل أو زواج أو فرج في دين، فيأتي الجبل في المنام صورة لقمة الرجاء التي يقف عليها قلبه. وقد يراه من استنفد أسباب الدنيا فلم يبق له إلا الالتجاء إلى الله، فيكون الحلم كأنه تثبيت له على هذا الالتجاء. وفي هذا المعنى طمأنينة لطيفة، فمن علّق قلبه بربه لم يخب رجاؤه، وإن تأخرت الإجابة أو جاءت بصورة غير متوقعة.
وفي الختام فإن كل ما ذكرناه اجتهاد بشري ظني، قد يصيب وقد يخطئ، ولا يصلح أساساً لقرار حقيقي في سفر أو مال أو عمل. فالغيب لا يعلمه إلا الله، والعبد مأمور بحسن الظن بربه والدعاء. فمن رأى خيراً فليحمد الله ويستبشر، ومن لم يفهم حلمه فليطمئن ولا يرهق نفسه به، فرحمة الله واسعة. نسأل الله أن يرزقنا الثبات والرجاء وحسن العاقبة.
