الوقوف بعرفة في المنام من أكثر المشاهد إيحاءً بالرجاء والخشوع، فهو يستحضر في الذهن صورة الجموع الواقفة تدعو وتبكي وتطلب العفو. وقد يراه الرائي في ساعات صفاء أو في ليالي قلق وترقب، فيستيقظ وقد اختلطت في قلبه الرهبة بالأمل. ومثل كل الأحلام يُقرأ هذا الحلم قراءة رمزية، فلا يعني بالضرورة أن الرائي سيقف يوماً بعرفة. وإنما هو في الغالب صدى لمشاعر الرجاء وشوق إلى قبول الدعاء ومغفرة الذنوب.
وعرفة في الوعي الإسلامي يوم الدعاء والتضرع والرجاء الكبير، ولذلك يرتبط الوقوف بها في الرؤى بمعاني التوبة الصادقة والتجرد لله والانكسار بين يديه. وقد يدل على لحظة مراجعة حاسمة يشعر فيها الرائي بحاجته إلى مغفرة وبداية جديدة. وقد يرمز إلى اجتماع الناس على أمل واحد، فيكون إشارة إلى جماعة أو أسرة أو أمة تدعو بخير. وقد يعبّر عن قرب انفراج بعد ضيق، لأن الوقوف بعرفة رمز إلى الذروة التي يعقبها الأمان. كما قد يدل على اللجوء إلى الله بكل الهموم والاحتياجات.
وقد نُسب إلى ابن سيرين فيما يتداوله أهل التعبير أن من رأى أنه يقف بعرفة فقد يُحمل ذلك على التوبة وقضاء الحاجة والخلاص من هم، وعلى الأمن لمن كان خائفاً. وذهب بعض المفسرين إلى أن الوقوف بها قد يدل على اجتماع الأمور بعد تفرق، أو على لقاء قريب بعد غياب. وذكر النابلسي في بعض ما نُقل عنه معاني تتعلق بالمكانة وحسن الخاتمة، وهي أقوال يُرجى فيها الخير ولا يُجزم بها. وتبقى هذه النقول متفاوتة الثبوت، ومحل اختلاف بين أهل التعبير.
ويتفاوت التأويل بحسب مشاعر الرائي وأحواله في الحلم، فمن وقف خاشعاً باكياً فذلك أقرب إلى صفاء قلبه وصدق رجائه. وإن كان الحر شديداً أو التعب ظاهراً فقد يعبّر ذلك عن مشقة في أمر يسعى فيه مع أمل في الفرج. وإن وقف وسط حشود هائلة فقد يدل على شعور بأنه جزء من جماعة تحتاج إلى رحمة ربها. وإن وقف وحيداً على جبل فقد يعبّر عن خلوة ومناجاة وتأمل عميق.
وللفتاة غير المتزوجة قد يكون الحلم إشارة إلى رجاء قلبها في توفيق الله، وإلى رغبتها في الاستقامة وصلاح الحال، وربما بشرى قريبة دون جزم. وللمرأة المتزوجة قد يدل على دعائها لأسرتها وأبنائها وأملها في إجابة دعواتها، وكأن الحلم يطمئنها على أن الله يسمع نداءها. وللرجل قد يرتبط بمراجعة ذاتية وبتوبة وتصحيح مسار، وبأمنيته في قضاء ما عليه من حقوق. وللحامل قد يكون مبعث طمأنينة ورجاء بحسن الولادة، وللمريض رجاء بالعافية، مع الأخذ بأسباب العلاج.
ومن الدقائق التي قد تغني التأويل: هل كان الرائي يرفع يديه بالدعاء، وهل كان يقف قرب جبل أم في السهل، وهل كانت الشمس ظاهرة أم كان الغروب قريباً. فرفع اليدين بالدعاء قد يدل على حاجة إلى طلب العون، والغروب قد يوحي بقرب انتهاء مرحلة وبداية أخرى. ووجود جموع من الناس قد يعطي معنى الاجتماع على الخير. وإذا اختلطت الصور في الحلم فهذا من طبيعة الرؤى، ولا ينبغي إجهاد النفس في تحليلها.
وليستحضر الرائي أن الحلم لا يعوّض عن أي نسك ولا عن التوبة الفعلية، ولا يقوم مقام العمل الصالح. وليس في رؤية الوقوف بعرفة وعد بأداء الحج، ولا حكم على منزلة صاحبه عند الله، فمغفرة الله ورحمته أمر لا يعلمه إلا هو. والأجدر أن يتخذ المرء من الحلم فرصة لمراجعة نفسه، فيستغفر ويدعو لوالديه ويصلح ما بينه وبين الناس. فهذا هو الدعاء الذي يُرجى قبوله مع صدق النية وحسن العمل.
ومن المعاني النفسية الجميلة في هذا الحلم أن عرفة يوم يتساوى فيه الناس في الحاجة إلى الرحمة، فلا يُنظر فيه إلى مال ولا نسب ولا منصب. ولذلك قد يراه من أثقلته مشاعر الذنب أو الندم، فيكون كأنه إعلان بأن باب العودة مفتوح لكل راجع. وقد يراه من خاصم أحداً أو ظلمه وهو يبحث عن طريق للمصالحة. فإذا استيقظ الرائي بقلب أرق وعزم على الإصلاح فقد حقق من حلمه خير ما يُرجى منه، وهو العمل لا مجرد التأويل. ولا بأس أن يخصص الرائي وقتاً هادئاً للدعاء لنفسه ولوالديه ولمن يحب، فالدعاء عبادة مفتوحة لا تتقيد بمكان ولا زمان.
وخاتمة القول أن ما ذكرناه اجتهاد بشري ظني، لا يُبنى عليه قرار حقيقي في سفر أو مال أو غيرهما. فالغيب لا يعلمه إلا الله، وما على العبد إلا أن يحسن الظن بربه ويكثر من الدعاء. فمن رأى خيراً فليحمد الله، ومن حاره حلمه فليطمئن ويكل أمره إلى ربه، فهو أرحم الراحمين. نسأل الله أن يتقبل دعاءنا ويغفر لنا ويرحمنا.
