رمي الجمرات في المنام مشهد فيه حركة وقوة وإصرار، ويظهر عادة في أحلام من يخوضون صراعاً داخلياً أو خارجياً مع أمر يضايقهم. وقد يراه الرائي وهو يقذف الحصى بثبات وسط جموع كثيرة، فيستيقظ وفي صدره شعور بالتحدي أو بالراحة بحسب ما جرى في الحلم. وكعادة الأحلام فإن لهذا المشهد قراءة رمزية لا تعني حدثاً حرفياً قادماً، وإنما يعبّر في الغالب عن أمور في النفس تحتاج إلى مواجهة. ولذلك فالأولى أن يتعامل الرائي معه بتأمل وهدوء.
والرمي في الرؤى يرمز عادة إلى دفع الشر ومقاومة ما يؤذي، وهو في الجمرات يرتبط في الوعي الإسلامي بمعنى مجاهدة وساوس الشيطان والتمسك بالطاعة. ولذلك يقرأ كثير من المفسرين هذا الحلم على أنه إشارة إلى رغبة الرائي في التخلص من عادة سيئة أو فكرة ملحة أو علاقة مؤذية. وقد يدل على انتصار على النفس الأمارة بالسوء، وعلى ثبات في وجه الفتن. وقد يرمز كذلك إلى إنهاء خلاف أو إبعاد هم أو مواجهة خوف قديم بشجاعة. وهو عند بعضهم تعبير عن حاجة إلى الحزم في أمر مهم.
وقد نُسب إلى ابن سيرين فيما يتداوله أهل التعبير أن الرمي في المنام قد يحمل معاني تتعلق بالقول أو الفعل الذي يصيب الهدف، وأن الحصى الصغيرة قد تشير إلى كلمات أو جهود يسيرة لها أثر. وذهب بعض المفسرين إلى أن من رأى نفسه يرمي الجمار فقد يُرجى له التخلص من عدو أو ضيق أو وسوسة، على سبيل التفاؤل. وقال آخرون إن الحلم قد يشير إلى أداء حق واجب أو إنهاء أمر عالق. ولا يخفى أن هذه من الأقوال المختلف فيها والمتفاوتة الثبوت، فلا تُعتبر أحكاماً قاطعة.
ويؤثر في التأويل ما جرى في الحلم من إصابة أو خطأ، فمن رمى فأصاب وشعر بالراحة فقد يكون ذلك أقرب إلى معنى الظفر على ما يؤرقه. ومن رمى فأخطأ ثم أعاد فقد يُقرأ على أن المحاولة تحتاج إلى مثابرة وعدم يأس. ومن رمى وسط زحام وتدافع فقد يعبّر ذلك عن صعوبة ظروفه مع قدرته على المضي. وإن شعر بالغضب وهو يرمي فقد يكون ذلك تفريغاً لمشاعر مكبوتة، وليس بالضرورة علامة سوء، بل دعوة إلى معالجتها بالصبر والحكمة.
وللفتاة غير المتزوجة قد يشير الحلم إلى رغبتها في التخلص من قلق أو وسواس أو صحبة غير نافعة، وإلى عزمها على بدء مرحلة أصفى. وللمرأة المتزوجة قد يعبّر عن حرصها على حماية أسرتها من الخلافات والمؤثرات السلبية، وعن حاجتها إلى الصبر. وللرجل قد يرتبط بمواجهة ضغوط العمل والمال، أو بالتخلص من عادة لا يحبها في نفسه. وللحامل قد يدل الحلم على رغبتها في الطمأنينة وطرد المخاوف المتعلقة بالولادة، وللمريض على جهاده مع الألم وأمله في الفرج، مع اتباع إرشاد الأطباء.
ومن التفاصيل التي تثري الفهم: عدد الحصيات، وحجمها، والجهة التي رمى إليها، وهل كان الرائي يرمي وحده أو مع جماعة. فالحصى الصغيرة قد توحي بأن الخطوات اليسيرة المتواصلة تنجز الكثير، والجماعة قد توحي بالتعاون على دفع الشر. وقد يتبدل شكل الجمرة في الأحلام إلى أشياء رمزية أخرى كجدار أو إنسان، وهذه من حيل المنامات التي تعبّر بما في النفس. فلا يلزم أن يُحمل ذلك على غير ما يحتمل.
ومن اللطائف أن الرمي في الحج يأتي بعد الوقوف والدعاء، أي إنه حركة عملية تعقب استشعار الافتقار إلى الله، وهذا يذكّرنا بأن التوبة تحتاج عملاً بعد الدعاء. فمن رأى هذا الحلم فقد يراجع نفسه: ما الشيء الذي يتمنى أن يرميه عن حياته، وما الخطوة الصغيرة التي يستطيع أن يبدأ بها اليوم. فقد يكون ترك غيبة أو الاعتذار لأحد أو الالتزام بصلاة هو الحصاة الأولى. وهذا التأمل يحوّل الحلم من رمز إلى عمل مفيد.
وليتذكر المسلم أن الحلم لا يغني عن مجاهدة النفس الحقيقية في اليقظة، ولا يقوم مقام التوبة ولا يُسقط واجباً. وليست رؤية رمي الجمرات ضماناً بأداء الحج، ولا حكماً على منزلة الرائي عند الله، فهذا من علم الله وحده. وأحسن ما يفعله الرائي أن يستعين بالله على نفسه، ويحافظ على الأذكار والصلاة، ويصحب أهل الخير. فالانتصار على الوساوس يكون بالصبر والاستعانة بالله والعمل الصالح.
وخلاصة القول أن ما ذُكر اجتهاد بشري ظني لا يُبنى عليه قرار حقيقي في علاقة أو مال أو سفر. فالغيب لا يعلمه إلا الله، والمؤمن يقابل الرؤيا بالدعاء وحسن الظن بربه. فمن رأى ما سرّه فليحمد الله، ومن حاره الأمر فليطمئن ولا يحمّل الحلم أكثر مما يحتمل، فرحمة الله قريبة. نسأل الله أن يعيننا على أنفسنا وأن يحفظنا من كل شر.
