أن يسمع الإنسان في منامه صوت التلبية أو يرددها بنفسه مع جموع الحجاج من الأحلام التي تثير في النفس رهبة وسروراً. وكثيراً ما يستيقظ الرائي وفي أذنه بقية من النغمة المؤثرة التي تحمل معنى الإجابة والاستسلام لنداء عظيم. وهو حلم يتكرر عند المشتاقين لزيارة البيت الحرام وعند من يتأثرون بسماع مقاطع الحجيج. وكما في كل الأحلام، فإن قراءته رمزية، ولا تعني بالضرورة أن الرائي سيلبي فعلاً في الأراضي المقدسة.
والتلبية في جوهرها إجابة لنداء، وهي تعبير عن الاستجابة والانقياد والإقبال، ولذلك يقرأها كثير من المفسرين على أنها إشارة إلى إجابة الدعاء أو الاستجابة لداعي الخير. وقد تدل على صحوة الضمير وعودة إلى الطاعة بعد غفلة، وكأن الرائي يجيب نداء قلبه الذي طال إعراضه عنه. وقد ترمز إلى إقبال على مشروع أو التزام جديد بصدق وحماس. وقد تعكس رغبة في الانتماء إلى جماعة المؤمنين التي ترفع أصواتها بكلمة واحدة. وهي في بعض المعاني دعوة إلى الوفاء بوعد أو عهد.
وقد نُسب إلى ابن سيرين فيما يتناقله أهل التعبير أن التلبية في الرؤيا قد تدل على إجابة الدعاء وقضاء الحاجة، وربما على التوبة والاستقامة. وذهب بعض المفسرين إلى أن من رأى أنه يلبي فقد يُرجى له الخير في دينه ودنياه. وقال آخرون إنها قد تشير إلى استجابة لدعوة أو نداء من ذي سلطان أو عالم أو من يطلب عوناً. وتبقى هذه من الأقوال التي يختلف فيها المعبّرون، ويتفاوت ثبوتها، فلا تُحمل على أنها أحكام ثابتة.
ويتفاوت المعنى بحسب جو التلبية في الحلم، فمن لبّى بصوت مرتفع وقلب خاشع فهذا أقرب إلى معاني الصدق والإقبال. ومن لم يستطع النطق أو شعر بأن صوته يضيع فقد يكون ذلك تعبيراً عن مشاعر كتمها في داخله أو شعور بالعجز عن التعبير. ومن سمع الجموع تلبي ولم يشارك فقد يوحي بشوق إلى الانضمام إلى خير يراه في الآخرين. وإن لبّى مع أهله فهو دلالة على تآلف الأسرة ووحدة هدفها.
وللفتاة غير المتزوجة قد يعبّر الحلم عن إقبال قلبها على الخير واستجابتها لنداء الصلاح، وبشرى مرجوة بتوفيق الله. وللمرأة المتزوجة قد يدل على استجابة دعاء كانت تدعوه لأسرتها أو أبنائها، على سبيل الرجاء. وللرجل قد يرتبط الحلم باستجابته لنداء المسؤولية أو بتوبته وعودته. وللحامل قد يكون بشرى طمأنينة، وللمريض بارقة رجاء في إجابة دعائه بالشفاء، والأمر كله بيد الله.
ومن التفاصيل التي قد تساعد على فهم الحلم: هل كانت التلبية بصوت واحد أم أصوات كثيرة، وهل كان فيها بكاء أو فرح، وهل كان الرائي يعرف كلماتها بدقة أم كان يلتبس عليه. فالصوت الجماعي قد يوحي بالانتماء، والصوت المنفرد بالخصوصية في العلاقة مع الله. والتباس الكلمات قد يكون ببساطة من طبيعة الأحلام. كما أن المكان الذي يُسمع فيه الصوت قد يضيف دلالة، كأن يكون في البيت أو الطريق أو المسجد.
ولا بد من التذكير بأن هذا الحلم لا يعفي الرائي من واجب ولا يقوم مقام عبادة، وليس تأكيداً لأداء الحج أو العمرة، ولا حكماً على مكانة أحد عند الله. فمن أراد أن يستجيب لنداء ربه فعلاً فليبدأ بالمحافظة على الفرائض والتوبة والإحسان إلى الخلق. وإذا كان قادراً على الحج فلينوِ ذلك بصدق ويسأل الله التيسير، دون ربط القرار بحلم. فالاستجابة الحقيقية تظهر في الأعمال اليومية.
وقد يحمل هذا الحلم بعداً شخصياً عند من أُرجئت له أمنية الحج سنوات طويلة بسبب ظروف مالية أو صحية أو أسرية، فتأتيه التلبية في المنام كأنها مواساة لطيفة. فالقلب الذي لبّى بصدق لا يضيع شوقه عند الله، وقد يؤجر المرء على نيته الطيبة حتى إن لم يستطع تنفيذها، على سبيل الرجاء لا القطع. وقد يراه كذلك من سمع نداء الخير في حياته ولم يستجب بعد، كتوبة مؤجلة أو صلة رحم مهملة. فيكون الحلم تذكيراً بأن وقت الاستجابة ما زال متاحاً. ومن أحسّ بهذا المعنى فقد حصّل خيراً كثيراً من حلمه.
وليتذكر الرائي أن أصدق جواب على نداء الله هو الثبات على الطاعة في السر والعلن، وأن التلبية الحقيقية تظهر في حفظ الصلاة وبر الوالدين وصدق المعاملة. وهذه الثمرة العملية هي أنفع ما يخرج به من حلمه، سواء فهم تفاصيله أو لم يفهمها.
وفي الختام فكل ما قيل اجتهاد بشري ظني، لا يصلح أساساً لقرار حقيقي في سفر أو مال أو غيرهما. فالغيب لا يعلمه إلا الله، والمطلوب من المؤمن أن يقابل الرؤيا بالدعاء وحسن الظن بربه. فمن رأى ما أسعده فليشكر الله، ومن غمض عليه الأمر فليتركه مطمئناً، فالله لطيف خبير. نسأل الله أن يجعلنا ممن يجيبون نداءه بصدق ويبلغنا بيته الحرام.
