حلم الطواف حول الكعبة من الأحلام التي يتذكرها الرائي بوضوح ويرويها بخشوع، فهو مشهد حيّ تتحرك فيه الأرواح حول مركز واحد. ويراه الرجال والنساء والكبار والصغار، ومنهم من لم يؤدِّ العمرة قط، وهذا مما يزيد الحلم غرابة وجمالاً في نظرهم. ومع ذلك فلا ينبغي أن يُفهم على أنه إخبار حرفي بسفر قريب، فالرؤيا في أصلها رمزية تتحدث بلغة الإشارة لا بلغة التقرير. وقد تكون انعكاساً لشوق دفين أو بشارة تُرجى لمن يحسن الظن بربه.
والطواف في الرموز المعنوية حركة دائرية حول نقطة ثابتة، وكأنه يعبّر عن حياة تدور حول مبدأ واحد هو التوحيد والطاعة. ولذلك يراه بعض المفسرين دليلاً على الاستقامة والثبات على الطريق، وعلى رغبة الرائي في أن تلتف حياته حول ما يرضي الله. وقد يدل على التوبة وتجديد العهد، أو على السعي إلى وحدة الصف والتآلف مع الناس. وقد يشير إلى مرحلة انتقال في الحياة يعقبها هدوء وطمأنينة، أو إلى أداء أمانة طال ترقب أدائها. وهو عند آخرين رمز لشكر النعمة والتعلق بالله بعد زوال كرب.
وقد نُسب إلى ابن سيرين فيما يتناقله أهل التعبير أن من رأى أنه يطوف بالبيت فهو على خير، وأنه قد يدل على قضاء الدين أو التوبة أو الحاجة. وذهب بعض المفسرين إلى أن الطواف قد يعني القيام بحق واجب أو أداء ما عليه من حقوق للناس والله. ونُقل عن النابلسي معانٍ قريبة تدور حول الخير والصلاح والأمن. ومعلوم أن هذه النقول لا تخلو من اختلاف، ولا يجوز الاعتماد عليها كأحكام قاطعة، بل هي اجتهادات تُقرأ بحسن ظن واعتدال.
ولا بد من النظر إلى هيئة الطواف في الحلم، فالطواف السلس الهادئ يوحي بيسر الأمور وانفراج الضيق، والطواف المزدحم الشاق قد يوحي بصبر مطلوب في أمر ما. ومن طاف وهو باكٍ خاشع عبّر ذلك عن صدق شوقه وحاجته إلى الرحمة، ومن طاف وهو متعب فقد يعكس إرهاقاً نفسياً يحتاج معه إلى راحة. ولعدد الأشواط في الحلم دلالات يذكرها بعضهم، لكنها ليست مما يعوّل عليه كثيراً. والأهم هو الأثر الذي تركه الحلم في النفس بعد الاستيقاظ.
وللفتاة غير المتزوجة قد يشير الحلم إلى طهارة النفس واستعداد للخير، وقد يحمل بشرى بتيسير أمر تنتظره، من غير جزم. وللمرأة المتزوجة قد يدل على سكينة الأسرة وتآلف أفرادها حول ما يجمعهم، وعلى رجائها في صلاح الذرية. وللرجل قد يعبّر عن استعداده لأداء حقوق عليه أو التوبة من تقصير، وعن حاجته إلى رفقة صالحة. وللحامل قد يكون فألاً بالطمأنينة، وللمريض إشارة رجاء تدفعه إلى الصبر والدعاء مع الأخذ بأسباب العلاج.
ومن الدقائق التي قد تغيّر الفهم: هل كان الطواف حول الكعبة نفسها أم حول مكان آخر يشبهها، وهل كان الرائي يحمل أحداً أو يمسك بيد قريب، وهل كان يسير باتجاه صحيح أم تعثر. فحمل الوالد أو الأم في الطواف قد يُفهم بمعنى البر والإحسان، والإمساك بيد الأبناء قد يرمز إلى رعاية الأسرة. وعدم الوصول لإتمام الأشواط قد يُقرأ على أنه إشارة إلى أمر لم يكتمل بعد. ومع ذلك فهي رموز عامة لا يصح التمسك بها كحكم نهائي.
وليتذكر الرائي أن هذا الحلم لا يقوم مقام الطواف الحقيقي ولا غيره من العبادات، فالعبادات لها أحكامها وأوقاتها المعروفة عند أهل العلم. ورؤية الطواف ليست ضماناً بأن الرائي سيؤديه، ولا حكماً على منزلته عند ربه فالله أعلم بالسرائر. والأفضل أن يجعل المرء من هذه الرؤيا حافزاً لتجديد النية والمداومة على الأعمال الصالحة، فيصل رحمه ويحسن إلى جيرانه ويكثر من الاستغفار. فالعبرة بصلاح القلب والعمل لا بما يُرى في النوم.
ومن المعاني التي يذكرها بعض المتأملين في هذا الحلم أن الدوران حول نقطة واحدة يعلّم الإنسان أن كثرة الحركة في الحياة لا قيمة لها ما لم يكن لها مركز واضح. فمن رأى نفسه يطوف قد يكون قلبه يبحث عن ذلك المركز بعد تشتت بين المشاغل والأولويات. وقد يكون الحلم دعوة إلى التبسيط وإلى ترتيب الأولويات بحيث تدور الأعمال كلها حول ما يرضي الله ويصلح الأسرة. وهذا المعنى التربوي مفيد للرائي حتى لو لم يتأكد من معنى الحلم الدقيق، لأنه يدفع إلى العمل الصالح.
وفي الختام نقول إن كل ما سبق اجتهاد بشري ظني، لا ينبغي أن يُبنى عليه قرار حقيقي في المال أو السفر أو الزواج. فالغيب لا يعلمه إلا الله، والواجب على المؤمن أن يقابل الرؤيا الحسنة بالدعاء وحسن الظن بالله. ومن اشتاق إلى الطواف فليسأل الله أن يرزقه إياه، ومن لم يفهم حلمه فليطمئن ولا يشغل به قلبه كثيراً. نسأل الله القبول والسداد وأن يرزقنا طمأنينة القلب.
