قد يرى الإنسان أنه يؤدي العمرة في موسم الحج، فيجد الحرم مزدحماً بالحجاج وأصوات التلبية تملأ الأجواء. ويشعر وهو بينهم بمزيج من الرهبة والفرح، وكأنه جزء من مشهد عظيم يجمع المسلمين من كل مكان. وهذه الرؤيا مألوفة عند من يتابع أخبار الحجاج أو يحن إلى هذه المشاهد. ويستيقظ غالباً وفي قلبه إحساس بالانتماء إلى أمة كبيرة. ولا بد من التذكير بأن الرؤيا رمز لا يُحمل على ظاهره، وتأويلها اجتهاد.
الحج والعمرة في المنام يدلان في الأصل على التوبة وتجديد النية والقرب من الله والفرج بعد الضيق وأداء الأمانة. وموسم الحج هو وقت اجتماع المسلمين على الطاعة بأعداد هائلة، فاجتماعه مع العمرة في الحلم قد يعبر عن رغبة في المشاركة في أجواء الخير الجماعي. وقد يرمز إلى شعور الرائي بأنه جزء من الجماعة لا منفرد، وإلى حاجته إلى الأنس بالصالحين. وقد يكون الحلم أيضاً انعكاساً لمتابعة الأخبار في تلك الأيام.
ونُسب إلى ابن سيرين في بعض ما نُقل عنه أن الحج والعمرة في المنام يُرجى منهما الخير وقضاء الحاجة لمن كان صالحاً. وذهب النابلسي في بعض ما نُقل عنه إلى أن اجتماع الناس في الرؤيا على أمر حسن يدل على الخير والألفة، وأن الحج يدل على الوفاء والتوبة. وقد اختلف المفسرون في تحديد دلالة الزحام في الحلم، فمنهم من رآه علامة على كثرة الخير ومنهم من رآه تعبيراً عن مشقة. ولذلك لا يُجزم بقول واحد.
ويتغير معنى الحلم بحسب ما شعر به الرائي. فإن كان مرتاحاً وسط الزحام وراضياً فذلك أقرب إلى الانشراح والانتماء. وإن كان خائفاً أو مختنقاً فقد يعبر ذلك عن ضغوط حياتية أو شعور بالضياع بين الناس. وإن رأى نفسه يؤدي العمرة بيسر رغم الزحام فقد يعبر عن قدرته على تجاوز الصعاب. وإن رأى نفسه يعين الحجاج فقد يعبر عن روح الخدمة والإيثار.
وللرجل قد يعبر الحلم عن رغبته في الانتماء إلى جماعة صالحة وتحمل مسؤولية، وللمرأة عن حاجتها إلى رفقة طيبة وسند. وللشاب قد يعبر عن رغبته في صحبة تعينه على الخير، وللمسن عن حنين إلى مشاهد عرفها. وللمريض قد يعبر عن أنس بالجماعة وأمل. ولمن يعيش وحيداً أو غريباً قد يعبر عن شوق إلى مجتمع دافئ. وهذه كلها تأويلات احتمالية يُستأنس بها فقط.
ومن التفاصيل التي قد يلتفت إليها: صوت التلبية وما يبعثه من رهبة، وتنوع الوجوه والألوان واللغات في المشهد، وما يشعر به الرائي من وحدة في اختلاف. وهذا التنوع قد يرمز إلى أن الخير يجمع الناس مهما اختلفت أصولهم. وإن رأى طفلاً ضائعاً بين الزحام فقد يعبر عن قلق على من يحب. وإن رأى من يساعده أو يسقيه فقد يعبر عن عون يأتيه. وكل ذلك إشارات رمزية.
ومن الجانب الروحي والعملي، لا يغني الحلم عن الحج لمن وجب عليه ولا يعد عمرة ولا يُحتسب بها، ولا هو دليل على منزلة أحد. وقد ناقش العلماء أحكام العمرة في موسم الحج وما يتعلق بها من أمور تنظيمية وشرعية، ومن كانت لديه نية حقيقية فليسأل عالماً ثقة وليلتزم بالتعليمات الرسمية للجهات المنظمة. وأجمل ما يخرج به الرائي أن يتعلم من أجواء الجماعة معاني التعاون والصبر وحسن الخلق مع الناس في حياته اليومية.
ومن اللطائف أن الزحام قد يكون في الحلم رمزاً لضيق الحياة وكثرة مشاغلها، والطواف وسطه رمزاً للثبات رغم ذلك. فمن رأى هذا فليتذكر أن الثبات على المبدأ والصبر على الناس مع حسن الخلق من أعلى مراتب الإيمان. وليحرص على أن يكون في حياته مأوى هادئ من الذكر والصلاة، ولو لدقائق قليلة كل يوم. فهي التي تحفظ القلب من الاضطراب.
وفي الختام، فإن هذا التفسير اجتهاد بشري ظني قد يصيب وقد يخطئ، ولا يجوز أن يُبنى عليه قرار حقيقي في سفر أو مال أو غيره. فالغيب لا يعلمه إلا الله وحده. فليدع الرائي ربه أن يرزقه صحبة الصالحين، وليحسن الظن به، وليأخذ بالأسباب المشروعة، ثم يتوكل عليه سبحانه.
وقد يستفيد من هذه الرؤيا من يشعر بالعزلة في حياته، فيأخذ منها دافعاً للانخراط في أنشطة خيرية أو دروس علم أو مجموعات تطوعية قريبة منه، فالقلب البشري يحتاج إلى الجماعة الصالحة كما يحتاج إلى الخلوة مع ربه. وليكن حريصاً على اختيار الصحبة التي تذكره بالله وتعينه على الخير، وعلى الابتعاد عن مجالس اللغو والغيبة. وإن لم يجد من حوله فليبدأ هو بالمبادرة بمجلس قصير للذكر أو القراءة مع أهله، فكثير من الخير يبدأ بخطوة فردية بسيطة ثم يتسع بإذن الله.
وليكن الحلم مناسبة للدعاء للحجاج بالسلامة وقبول العمل، فهذا من الخلق الحسن، وفيه أجر بإذن الله لمن دعا بصدق لإخوانه.
