يرى بعض الناس في منامهم أنهم يؤدون العمرة في شهر رمضان، فيطوفون ويسعون وهم صائمون، وتحيط بهم أجواء الإفطار والتراويح وتلاوة القرآن. وهي رؤيا تحرك في النفس مشاعر الروحانية، وتأتي كثيراً عند من يشتاق إلى أجواء الشهر الفضيل أو يعيش أيامه بشغف. ويستيقظ صاحبها غالباً وفي قلبه سكينة وشوق إلى مزيد من الطاعة. ولا بد من التنبيه إلى أن الرؤيا رمز لا يُحمل على ظاهره، وكل تأويل لها اجتهاد غير ملزم.
الحج والعمرة في المنام يدلان في الأصل على التوبة وتجديد النية والقرب من الله والفرج بعد الضيق وأداء الأمانة. ورمضان في المخيلة الإسلامية موسم الرحمة والتجديد والإقبال على الله، فاجتماع العمرة والشهر الكريم في حلم واحد يضاعف دلالة الصفاء والتوبة. فقد يعبر الحلم عن رغبة صادقة في أن يكون الشهر محطة تغيير حقيقية، وعن شوق إلى جو الطاعة الجماعية الذي يميز رمضان. وقد يكون أيضاً انعكاساً لما يمر به الرائي من استعداد للشهر أو حنين إلى رمضان مضى.
ونُسب إلى ابن سيرين في بعض ما نُقل عنه أن الحج والعمرة في المنام يُرجى منهما الخير وقضاء الحاجة لمن كان صالحاً، وقد يُستأنس بذلك في رؤية العمرة في الأوقات الفاضلة. وذهب النابلسي في بعض ما نُقل عنه إلى أن الصيام يدل على الصبر وضبط النفس، وأن الجمع بين العبادات في المنام قد يدل على تيسير في الطاعة. وقد اختلف المفسرون في تقدير ذلك، فلا يُجزم بقول معين، وتبقى هذه الأقوال احتمالات.
ويتغير معنى الحلم بحسب أحوال الرائي. فإن كان مرتاحاً سعيداً وهو يؤدي العمرة صائماً، فذلك أقرب إلى الطمأنينة والرضا والعزم على الاستقامة. وإن كان متعباً من الصيام والزحام في الحلم فقد يعبر عن تعب حقيقي أو قلق من عدم القدرة على الاستمرار في الطاعة. وإن رأى نفسه يفطر في الحرم مع الناس فقد يرتبط الحلم بحب الاجتماع على الخير والكرم. وإن رأى أهله معه فقد يدل على أمنية أن يجتمعوا على الطاعة.
وللمرأة قد يعبر الحلم عن رغبتها في استثمار رمضان في الإقبال على الله بين مشاغل البيت، وللرجل عن عزم على الإكثار من القرآن والقيام. وللشاب قد يعبر عن رجاء بأن يكون هذا الرمضان نقطة بداية جديدة، وللمريض عن أمل بالعافية وصبر على الابتلاء. وللحامل أو المرضع قد يعبر عن حنين إلى الصيام أو رغبة في الأجر. ولغير القادر على الصيام لعذر مشروع قد يعبر عن شوق إلى الأجواء الروحية، ولا ينقص ذلك من أجره بإذن الله. وهي قراءات احتمالية.
ومن التفاصيل التي قد تُلتفت إليها: صوت الأذان، ونور المكان، وروائح الطعام، وتلاوة القرآن في الأرجاء، فهذه كلها تضيف إلى الحلم دفئاً روحياً. وإن رأى نفسه يختم القرآن فقد يعبر ذلك عن شوق إلى الإنجاز الروحي. وإن رأى مائدة إفطار جماعية فقد يعبر ذلك عن كرم أو أمنية في إطعام الطعام. وإن رأى القمر أو الهلال فقد يرمز إلى بداية جديدة. وكل ذلك رمز لا قطع فيه.
ومن الجانب الروحي والعملي، لا يغني الحلم عن صيام رمضان وقيامه ولا عن أي فريضة، ولا يعد عمرة ولا يُحتسب بها، ولا هو ضمان بأن الرائي سيؤديها. وأحسن ما يفعله من رأى ذلك أن يستعد لرمضان بنية صادقة، فيضع لنفسه برنامجاً واقعياً من القرآن والذكر والصدقة وبر الوالدين وصلة الرحم، دون إرهاق نفسه بما لا يطيق. ومن أراد العمرة في رمضان في الواقع فليسأل أهل العلم عما يتعلق بها ويراعي الزحام وحاله الصحية وأحوال أهله.
ومن اللطائف أن الشهر الكريم مدرسة في ضبط النفس، فمن شعر بشوق في الحلم فليحوله إلى عادات تدوم بعد رمضان، كقيام ولو ركعتين وورد من القرآن ولو صفحة وصدقة ولو يسيرة. فالأعمال الدائمة وإن قلّت أحب إلى الله من الكثيرة المنقطعة. وبذلك يصبح الحلم بذرة تثمر طوال العام.
وفي الختام، فإن هذا التفسير اجتهاد بشري ظني قد يصيب وقد يخطئ، ولا يجوز أن يُبنى عليه قرار حقيقي في سفر أو مال أو غيره. فالغيب لا يعلمه إلا الله وحده. فليدع الرائي ربه أن يبلغه رمضان ويعينه على صيامه وقيامه، وليحسن الظن به، وليأخذ بالأسباب، ثم يتوكل عليه.
ويحسن أن يتأمل الرائي كيف يمكنه أن يجعل رمضان القادم أو الحالي أكثر أثراً في حياته، فمن الناس من يضع لنفسه هدفاً واحداً بسيطاً كترك عادة سيئة أو المحافظة على صلاة الفجر في جماعة أو ختمة واحدة بتدبر. وإذا تحقق هذا الهدف الصغير بصدق فهو خير من خطط كبيرة لا تكتمل. وليشرك أهله في ذلك فإن الجماعة تعين على الثبات، وليتعاونوا على الإفطار والصدقة وإفطار الصائمين بما يقدرون عليه.
وليذكر المرء في هذا الشهر الكريم أن أبواب الدعاء مفتوحة، فليسأل ربه من خيري الدنيا والآخرة، وليدع لإخوانه المسلمين، فإن الدعاء للغير بظهر الغيب خلق كريم يحبه الله.
