من الأحلام الدافئة أن يرى الإنسان نفسه في الحج برفقة أبيه وأمه، يطوف معهما أو يمشي بجانبهما أو يساعدهما في أداء المناسك. وهي رؤيا تحرك المشاعر لأنها تجمع بين مكان من أقدس الأمكنة وبين أقرب الناس إلى القلب. وكثيراً ما يراها من يحب والديه ويخشى عليهما أو يتمنى برهما وإسعادهما. ومع ذلك فالرؤيا رمز لا يُحمل على ظاهره دائماً، وما يُقال في تفسيرها اجتهاد وليس حكماً مقطوعاً به.
يرمز الحج في الأحلام إلى التوبة وتجديد العهد مع الله، وإلى شوق القلب إلى الطمأنينة، وإلى فرج بعد كرب وأداء لأمانة. وعندما يكون الوالدان جزءاً من المشهد تتجه المعاني إلى صلة الرحم والبر، وإلى ما يربط الرائي بجذوره الأولى. فالوالدان في المنام يمثلان الأصل والسند والدعاء المستجاب، ولذلك قد يعبّر الحلم عن حاجة الرائي إلى رضاهما أو إلى الاطمئنان عليهما. وقد يكون أيضاً صدى لحنين دفين لوقت قضاه معهما.
ونُسب إلى ابن سيرين في بعض ما نُقل عنه أن رؤية الوالدين في هيئة حسنة تدل على الخير وانشراح الحال، وأن الحج في المنام يُرجى به الخير وقضاء الحاجات. وذهب النابلسي في بعض ما نُقل عنه إلى أن الحج يدل على أداء الفرائض والوفاء بالعهود. وقد تباينت الأقوال في تفاصيل ذلك، فبعضهم يربط الحلم بالبر والطاعة، وبعضهم بتحسن الأحوال العامة. وكل ذلك يُنقل على سبيل الاستئناس لا الجزم.
ويتغير معنى الحلم بحسب حال الوالدين في المنام. فإن كانا مبتسمين راضيين فذلك أقرب إلى معاني السكينة ورضا القلب والبركة في الأهل. وإن كانا متعبين فقد يعكس قلق الرائي عليهما أو رغبته في أن يخفف عنهما. وإن كان الرائي يحملهما أو يعينهما في الطواف فقد يعبر عن رغبته في البر والقيام بحقهما. وإن كان أحدهما متوفى في الواقع فيُنظر إلى الحلم بمعنى الحنين والدعاء، ولا يُجزم بشيء عن حاله.
وللفتاة غير المتزوجة قد يدل الحلم على رضا أهلها عنها ودعائهم لها بالخير، وعلى سند يحيط بها في مرحلة تحتاج فيها إلى القرب منهم. وللمرأة المتزوجة قد يدل على حنين إلى بيت أهلها أو على رغبتها في الجمع بين بر أهلها وأداء حق زوجها وأولادها. وللرجل قد يشير إلى مسؤولية نحو والديه أو إلى رغبته في إدخال السرور عليهما. وللحامل قد يعني دعاء الوالدين وبركة تحيط بها، وللمريض أملاً بالراحة والعافية بفضل الله.
ومن التفاصيل الدقيقة التي تعين على التأويل مَن كان في المقدمة ومن كان في المؤخرة، فقد يرمز تقدم الوالدين إلى توجيههما وتأثيرهما في حياة الرائي. وإن كان الرائي يقودهما فقد يعني أنه صار مسؤولاً عنهما أو قادراً على رعايتهما. والزحام والخوف من الضياع في الحلم قد يعكس قلقاً من فقدان الأحبة، أما الهدوء والتعاون فيدلان على الصفاء. وكلمات الوالدين في الحلم من دعاء أو نصيحة قد تكون رسائل تعكس ما في نفس الرائي من حاجة إلى التوجيه.
ومن الناحية الروحية والعملية، ليس الحلم غنية عن واجب بر الوالدين ولا عن أي فريضة أخرى، ولا يدل بذاته على أن الرائي سيحج معهما. ولا هو حكم على منزلة الرائي أو والديه عند الله. وأنفع ما يستفيده الإنسان منه أن يتفقد علاقته بوالديه، فيتصل بهما ويدعو لهما ويخدمهما إن كانا حيين، ويدعو لهما ويتصدق عنهما إن كانا قد رحلا. وإن كان يريد أن يحجّ بهما فليستشر أهل العلم فيما يلزم.
ويحسن بمن رأى هذا الحلم أن يتأمل أيضاً في حاله مع والديه في الواقع، فالرؤيا قد تكون تذكيراً لطيفاً بأمر غفل عنه في زحمة الأيام، كاتصال مؤجل أو زيارة متأخرة أو كلمة طيبة لم تُقل. وليس في هذا التأمل جزم بأن الحلم رسالة من الغيب، وإنما هو استثمار حسن لمشاعر طيبة استيقظ بها القلب. ومن كان والداه بعيدين عنه فلا بأس أن يجعل هذه المشاعر سبباً للسؤال عنهما وإدخال السرور عليهما. ومن كان بينه وبينهما خلاف فقد يجد في الحلم فرصة لمبادرة الصلح بلين وصبر. وكل ذلك من الأعمال الصالحة التي تُرجى بركتها في الدنيا والآخرة، سواء صح تفسير الحلم أم لم يصح.
وختاماً، كل ما ذكرناه اجتهاد بشري ظني قد يصيب وقد يخطئ، ولا يصح أن يُبنى عليه قرار حقيقي يخص الأسرة أو المال أو السفر. فالغيب لا يعلمه إلا الله وحده، والرؤيا لا تغني عن الأخذ بالأسباب. فليدع الرائي لوالديه بالرحمة والصحة، وليحسن الظن بالله تعالى، وليجعل من هذا الحلم الجميل دافعاً إلى مزيد من البر والمودة.
