قد يرى الإنسان في منامه أن أحداً يهديه عبوة من ماء زمزم، أو يشرب منها بيده وهو يشعر بعذوبتها وبركتها، وقد يكون المهدي قريباً عائداً من الحج أو شخصاً مجهولاً. ويستيقظ الرائي غالباً وفي قلبه طمأنينة خاصة تجعله يحرص على تذكر التفاصيل. وهذه الرؤيا مألوفة لمن يحب بركة الحرمين أو يعيش في بيئة يقدّر أهلها هدايا الحجاج. وكعادتنا في هذه الأحلام، نذكّر أن الرمز لا يُحمل على ظاهره، وأن ما يُقال فيه اجتهاد قابل للخطأ.
للحج والعمرة في الأحلام معان معروفة، منها التوبة والتجدد والقرب من الله وانكشاف الهم وأداء الأمانات. أما الماء فهو في الرؤى رمز للحياة والرزق والعلم والصفاء، وماء زمزم له في وجدان المسلمين مكانة خاصة بوصفه ماءً مباركاً ارتبط بمكة المكرمة. فاجتماع الماء والهدية في المنام قد يعبّر عن نصيب من البركة يصل إلى الرائي بلا عناء كبير. وقد يرمز أيضاً إلى حاجة النفس إلى الارتواء الروحي وإلى هدوء بعد اضطراب.
ونُسب إلى ابن سيرين في بعض ما نُقل عنه أن الماء الصافي العذب في الرؤيا يدل على الخير والرزق الحلال والحياة الطيبة. وذهب النابلسي في بعض ما نُقل عنه إلى أن الشرب من الماء الطيب يدل على الانتفاع والعلم، وأن ماء مكة قد يرتبط عندهم بالبركة. وقد اختلف المفسرون في تفاصيل الربط بين الماء والرزق أو الشفاء أو العلم، فاختلفت أقوالهم بحسب أحوال الرائي. ولذلك نذكر هذه المعاني باعتبارها احتمالات لا قطعيات.
ويتغير المعنى بحسب طعم الماء وحال الرائي. فإن كان الماء صافياً عذباً وشعر الرائي بالارتواء والراحة، فذلك أقرب إلى معاني الطمأنينة والرزق الطيب والفرج. وإن كانت العبوة صغيرة فلا ينقص ذلك من البركة، فقد تشير إلى خير قليل مبارك. وإن أعطاه الماء شخص يعرفه فقد يتعلق الأمر بعلاقته به أو بما يحمله له من دعاء ومحبة. وإن لم يشرب الرائي بل رأى الماء فحسب فقد يكون الحلم رجاء أو انتظاراً لشيء لم يصل بعد.
وللفتاة غير المتزوجة قد يعبر الحلم عن أمل في صفاء حياتها وبركة في ما تسعى إليه، وللمرأة المتزوجة عن طمأنينة تتمناها في بيتها وسكينة في أسرتها. وللرجل قد يرمز إلى رزق حلال وتيسير في عمله، وللحامل إلى رجاء بالسلامة والبركة في ما تحمله، وللمريض إلى أمل في العافية والصبر. ولا يعد هذا وعداً بشفاء أو رزق، فهذه أمور بيد الله وحده. وإنما هي أمنيات تعبر عنها الأحلام بلغتها الرمزية.
ومن الدقائق التي تثري التأويل ما يلي: لون العبوة وشكلها قد يعكس ما يعتمل في نفس الرائي من فرح أو شوق، وطريقة الشرب من وقوف أو جلوس قد تدل على حال استعداده. وإن دعا الرائي عند الشرب فقد يدل ذلك على حاجة يرجو قضاءها. وإن شارك الماء مع أهله فقد يعبر ذلك عن رغبة في أن تعم البركة بيته. أما انسكاب الماء فلا يُحمل على شر، وقد يكون من حديث النفس وانشغالها. فالمعاني هنا مرنة ولا تحتمل الجزم.
وفي الجانب الروحي لا بد من التذكير بأن الحلم لا يغني عن الحج ولا يعد أداء له، ولا يدل بذاته على منزلة أحد عند الله. وحب الإنسان لهذا الماء المبارك يمكن أن يترجم إلى حب للطاعة التي ارتبطت به، من صلاة ودعاء وذكر. ويستحب لكل مسلم أن يسأل الله من فضله ويحسن نيته في كل ما يطلب، دون أن يتعلق بالرموز. ومن كان عنده سؤال عملي عن أحكام ماء زمزم أو آداب شربه فليرجع إلى أهل العلم.
ومما يحسن ذكره أن الأحلام الجميلة تحتاج إلى شكر، وأعظم الشكر أن يحول الإنسان نعمة الطمأنينة إلى استقامة في سلوكه. فلو استيقظ الرائي بنفس مطمئنة فليغتنمها في الدعاء والذكر وقراءة القرآن. وليتصدق بشربة ماء أو بما تيسر، فالصدقة بالماء من أبواب الخير المعروفة. وبذلك يكون الحلم نقطة انطلاق لعمل صالح مستمر.
وإذا كان الرائي يعاني من ضيق أو اضطراب فقد يجد في هذا المشهد المبارك تذكيراً بأن السكينة تُطلب بالذكر والدعاء والصبر، وبأن الراحة الحقيقية لا تأتي من الأشياء وحدها بل من القلب المطمئن بربه. فيحسن به أن يخصص وقتاً هادئاً كل يوم لقراءة شيء من القرآن أو التسبيح، وأن يحسن إلى من حوله بكلمة أو ابتسامة أو شربة ماء. وهذه الأعمال اليسيرة تثمر في النفس أثراً يعجز عنه كثير من التأويلات. وبذلك ينتفع الإنسان بالحلم انتفاعاً عملياً دون أن يتعلق بتفاصيله الرمزية.
وختاماً فإن هذا التفسير اجتهاد بشري ظني قد يصيب وقد يخطئ، ولا يجوز أن يُتخذ أساساً لقرار حقيقي أو علاج أو ما أشبه. فالغيب لا يعلمه إلا الله، والشفاء والرزق بيده سبحانه وحده. فليدع الرائي ربه بالخير، وليحسن الظن به، وليأخذ بالأسباب المشروعة في كل شأن، ثم يتوكل عليه.
