رؤية الإنسان نفسه يصافح أباه في المنام من الرؤى التي تحمل دفئًا عائليًا، وقد تترك في النفس شعورًا بالاطمئنان أو الحنين. والرؤيا رمزية في أصلها، فمصافحة الأب في الحلم لا تعني بالضرورة أمرًا حرفيًا في الواقع، وإنما هي صورة لمعاني السند والاحترام والرجوع إلى الأصل وطلب المشورة. وتختلف القراءة بحسب حال الأب وعلاقة الرائي به وشعوره أثناء الحلم. ولا ينبغي أن يُحمَّل الحلم أكثر مما يحتمل. وما يرد هنا قراءات محتملة تختلف باختلاف الرائي وظروفه.
اليد في لغة الرموز تعبر عن العمل والعطاء والقدرة والمساعدة والتواصل والإنجاز والسند، والأب في الوجدان صورة للسند والخبرة والأصل. فالجمع بين اليد والأب قد يدل على علاقة بر واحترام، أو على حاجة إلى مشورة وتوجيه، أو على امتنان لما قدمه الأب. وقد يعبر أيضًا عن رغبة في المصالحة إذا كان بينهما فتور. وقد يرمز إلى شعور الرائي بأنه يحمل جزءًا من إرث أبيه في العمل أو الخلق. وتتحدد هذه المعاني بالقرائن.
نُسب إلى ابن سيرين في بعض ما يتداوله الناس أن لقاء الأب في المنام قد يُقرأ على أنه سند وعون وبركة في الأمر، وأن المصافحة تدل على الألفة وزوال ما بين الطرفين من جفوة. وذهب النابلسي في بعض ما نُقل عنه إلى أن الأب قد يرمز إلى الأصل والمعين والرئيس، وأن مصافحته ترتبط بالموافقة والرضا، مع اختلاف الأقوال بين المعبرين. ولا يوجد اتفاق على معنى ثابت، فالمعبرون يرجحون بحسب حال الرائي وحال الأب. كما أن هذه الصورة من الرموز الأقل تناولًا بتفصيل في الكتب القديمة. فالأسلم أن تُؤخذ هذه الأقوال إشارات عامة.
يتغير المعنى بحسب حال المصافحة وحال الأب في الحلم. فإذا كان الأب مبتسمًا والمصافحة دافئة فقد يُفهم ذلك على أنه طمأنينة ودعم، وإذا كان صامتًا أو متجهمًا فقد يعبر الحلم عن شعور بالتقصير أو بحاجة إلى حوار. وإذا كان الأب متوفى في الواقع فقد يكون الحلم تعبيرًا عن الشوق والحنين، ولا يصح استخراج أخبار عن حاله من الحلم. وإذا كان حيًا فقد يرتبط الحلم بعلاقة قائمة وبرغبة في القرب منه. أما شعور الرائي بالسكينة فهو من أهم ما يوجه الفهم.
للمرأة غير المتزوجة قد تدل مصافحة الأب على حاجتها إلى مشورة أبيها في قرار مقبل، كدراسة أو عمل أو ارتباط، أو على شعورها بالاطمئنان إلى سنده. وقد تعبر عن رغبة في رضاه وفي أن تكون عند حسن ظنه. وإذا كانت علاقتها به متوترة فقد يعبر الحلم عن رغبة في التقارب. وإذا ودعها في الحلم فقد يرتبط بانتقالها إلى مرحلة جديدة. وكل ذلك احتمالات ظنية.
وللمرأة المتزوجة قد تعكس مصافحة الأب حنينها إلى بيت أهلها أو حاجتها إلى سنده وتوجيهه، أو رغبتها في أن يطمئن على حالها. وللرجل قد ترتبط بإحساسه بمسؤولية الأب أو بحاجته إلى مشورته في عمل أو قرار، أو بامتنانه لما تعلمه منه. وللحامل قد يكون الحلم تعبيرًا عن حاجتها إلى السند الأسري في هذه المرحلة، ولا يحمل تحذيرًا. وإذا شعرت الحامل أو المريض بألم أو ضعف أو تنميل في اليد في الواقع فعليهما مراجعة الطبيب، فالحلم ليس نصيحة طبية. ولا ينبغي الاكتفاء بتفسير الحلم عند وجود أعراض.
ومن التفاصيل المؤثرة هيئة الأب في الحلم وملابسه ومكانه، وهل صافح الرائي بيد واحدة أم بيديه معًا، وهل قبّل الرائي يده أم ضمه. وكذلك المكان، فالبيت القديم يوحي بالذكريات والمكان المضيء يوحي بالطمأنينة. وما قاله الأب من كلمات طيبة إن تذكرها الرائي قد يضيف معنى المشورة. ووجود الأم أو الإخوة معهما يدل على جمع الأسرة. ويحسن تدوين هذه الصور فور الاستيقاظ.
ومن الناحية النفسية العملية، قد يعبر الحلم عن شوق إلى الأب أو عن رغبة في ترميم علاقة، أو عن حاجة إلى توجيه وسند. ويمكن للرائي أن يستفيد بالتواصل مع أبيه إن كان حيًا بزيارة أو اتصال أو كلمة طيبة، وإن كان متوفى فبالدعاء له والترحم عليه، دون ادعاء معرفة شيء عن حاله. وليس الحلم نصيحة طبية أو تشخيصًا، وأي ألم أو ضعف حقيقي في اليد يستدعي مراجعة طبيب مختص. وقد تتأثر الأحلام بالذكريات والمناسبات العائلية. فالبر الفعلي أنفع من الانشغال بمعنى الحلم.
وخلاصة القول أن مصافحة الأب في المنام رمز يدور حول السند والاحترام والمشورة والاطمئنان إلى الأصل، ويتحدد معناه بحال الأب وبعلاقة الرائي به. وهذا التفسير اجتهاد بشري ظني يحتمل الخطأ والصواب، فلا ينبغي أن يُبنى عليه قرار أو خوف. وعلى الرائي أن يحسن الظن بالله، وأن يدعوه بالبركة في أهله وبصلاح ذات البين. فالغيب لا يعلمه إلا الله وحده، والرؤى لا تتجاوز كونها إشارات. ومن رأى ما يسره فليحمد ربه، ومن رأى ما أقلقه فليدع بالخير وليمضِ مطمئنًا.
