من رأى في منامه رملًا بين يديه فقد رأى صورة مألوفة تنساب فيها الحبات من بين الأصابع، وهي ترتبط في الذهن بالوقت والجهد والأشياء التي يصعب الإمساك بها بقوة. والأصل أن الرؤيا رموز تتشكل مما يشغل الإنسان من أمنيات وهموم، وليست وقائع تتحقق كما رُئيت. فقد يكون الرمل في الحلم تعبيرًا عن إحساس بمرور الأيام، أو عن جهد يتراكم حبة حبة، أو عن رغبة في الإمساك بأمر يتفلت. وتتضح الدلالة حين يتذكر الرائي لون الرمل وملمسه وهل بقي في يده أم تسرب منها.
واليد في عالم الرموز أداة العمل والعطاء والقدرة والإمساك والإنجاز. فإذا حملت رملًا فقد يشير ذلك إلى جهد صغير متراكم يؤدي إلى بناء كبير، أو إلى إحساس بأن الوقت يمر سريعًا بين يدي الرائي، أو إلى حاجة إلى أسلوب أرفق في التعامل مع ما يحب الاحتفاظ به. وقد يدل كذلك على نوع من الاسترخاء والتأمل إذا كان الإحساس بالرمل لطيفًا. وهذه معان محتملة تختلف بحال الرائي، ولا يُجزم بها.
نُسب إلى ابن سيرين في أصل تعبير الرمل أنه قد يدل على المال الكثير المتفرق أو على الصحراء والسفر أو على الذرية الكثيرة، بحسب سياقه. وذهب النابلسي في بعض ما نُقل عنه إلى أن الرمل في اليد قد يدل على أمر يصعب حفظه أو على كسب يأتي بعد عناء وتفرق. وتتفاوت الأقوال، والرمل بين اليدين على وجه التحديد من التفاصيل الأقل تناولًا في الكتب القديمة. فما يُذكر هنا اجتهاد بالقياس يُستأنس به ولا يُجزم به.
ويؤثر السياق في المعنى، فالرمل الناعم الدافئ الذي يتدفق من بين الأصابع بهدوء يميل إلى معاني الاسترخاء وتقبل مرور الأيام والاطمئنان. أما الرمل الذي يحاول الرائي حبسه بقوة فينساب رغم ذلك فقد يعبر عن إدراك ضمني بأن بعض الأمور لا تُحفظ بالشدة بل بالرفق. والرمل الخشن أو الحار قد يوحي بتعب في السعي، والرمل الذي يُبنى منه شكل ما يوحي بإنجاز يتشكل بالتدريج. وكلما كان الإحساس مريحًا كان الأقرب إلى الخير.
وإذا كانت الرائية عزباء فقد يعبر الرمل بين يديها عن إحساسها بمرور الوقت وتفكيرها في مستقبلها، أو عن جهد تبذله في دراسة أو عمل ينمو تدريجيًا، أو عن مشاعر تحاول الاحتفاظ بها. فإن كان الرمل ناعمًا ينساب بهدوء فهو أقرب إلى معاني الطمأنينة، وإن كانت تحاول حبسه بقلق فقد يعبر عن خوف من التأخر. ولا يدل الحلم على فوات أمر بعينه.
وللمتزوجة قد يشير الحلم إلى مرور الأيام بين مسؤوليات البيت والأولاد، وإلى رغبتها في الاحتفاظ بأوقات جميلة من حياة أسرتها. والحامل قد يعكس منامها ترقب مرور شهور الحمل وانتظار المولود، وهو ترقب طبيعي. أما الرجل فقد يدل الرمل في يده على انشغاله بالوقت والعمل وتراكم الجهد، أو على قلق من أمر يخرج عن السيطرة. ويبقى الواقع أولى بالنظر من القاعدة العامة.
ومن التفاصيل الدقيقة مكان الرمل، فرمل الشاطئ يوحي بالراحة والتأمل، ورمل الصحراء بالسعي والسفر، ورمل الساعة الرملية بالوقت الذي يعد. ولون الرمل، ذهبيًا أم أبيض أم داكنًا، يضيف انطباعًا عن الحال الشعورية، كما أن الرطوبة تجعل الرمل متماسكًا فتوحي بإمكان البناء. ويفيد أن يتذكر الرائي هل كان وحيدًا أم مع أحد، وهل كان يلعب بالرمل أم يخشى ضياعه. وقد تتباين الآراء في هذه الجزئيات، فلا تضييق.
ومن الزاوية العملية والنفسية، قد يكون الحلم دعوة إلى قبول أن بعض الأشياء لا تُمسك بالقوة، وإلى توجيه الجهد إلى ما يمكن بناؤه فعلًا خطوة خطوة. ويمكن للرائي أن يحدد أهم ثلاثة أمور يريد أن ينجزها هذا الشهر، وأن يقسم كل أمر إلى مهام صغيرة، فيرى أن حبات الجهد تصنع بناء. وللنزهة في مكان مفتوح وتنفس هواء نقي أثر طيب في تخفيف التوتر. وهذا تأمل عام وليس علاجًا.
والحلم ليس نصيحة طبية. فإن كان الرائي يشعر في يقظته بخشونة أو حكة أو احمرار في يديه، أو بسعال أو ضيق في التنفس عند التعرض للغبار والرمال، فعليه مراجعة طبيب. وللحامل والمريض بالحساسية أو الربو أن يحذرا من الغبار. والعناية بالجسد تسبق التأمل في الرموز.
وفي الختام فإن ما سبق اجتهاد بشري ظني، يحتمل الصواب والخطأ، ولا يغني الرائي عن النظر في حاله وظروفه. والغيب لا يعلمه إلا الله وحده، فلا يُجزم بما سيقع ولا يُبنى على المنام قرار مصيري. وحسن الظن بالله يبعث الطمأنينة ويعين على الصبر وحسن استثمار الوقت. اللهم اجعل ما رآه الرائي خيرًا، وبارك له في وقته وعمره وعمله، وأتم عليه العافية والسكينة.
