أن يرى النائم نفسه يطعم الدجاج ويفرّق لها الحب بيده مشهد مألوف في بيوت كثيرة، وهو في المنام يحمل طابع العطاء والاهتمام. وهذه من الرؤى الهادئة التي لا يغلب عليها الخوف ولا الإنذار. ومن المهم أن يُفهم أنها رؤيا رمزية وليست حرفية، فلا تُقرأ على أنها خبر محدد عن واقعة قادمة. والأولى أن ينظر الرائي إلى مشاعره في الحلم وإلى ما يشغل باله في يقظته. وما يلي عرض لاحتمالات متعددة بحذر.
الدجاجة في الرمزية العامة ترتبط بالرزق اليسير والبيت والأمومة والرعاية والعطاء الهادئ. وحين يكون الرائي هو من يقدّم الطعام فإن الدلالة تنتقل إلى جانب بذله هو، أي ما ينفقه ويرعاه ويتحمل مسؤوليته. فقد تعبّر الرؤيا عن عناية بأهل البيت، أو إنفاق في وجوه الخير، أو اهتمام بمن يعتمدون عليه. وقد تدل كذلك على بدء مشروع صغير يحتاج إلى رعاية يومية. وهذه الدلالات كلها مرتبطة بباقي التفاصيل وبحال الرائي.
نُسب إلى ابن سيرين أن الدجاج يدل على النساء والخدم ومن يقوم على أمر الدار، وأن إطعام الطير الداجن قد يدل على الإنفاق على هؤلاء والعناية بهم. وذهب النابلسي في بعض ما نُقل عنه إلى أن إطعام الحيوان الأليف يشير إلى حسن القيام على شؤون من هم تحت رعاية الرائي. وتختلف الآراء في هذا الباب، فبعضهم قصره على الأهل وبعضهم وسّعه إلى العمل والأجراء. وهذه الصورة من الرموز الأقل تناولًا في الكتب القديمة بتفاصيلها، فيغلب فيها الاجتهاد. فيُستأنس بما سبق ولا يُعد حكمًا قاطعًا.
للسياق أثر واضح؛ فإن كان الدجاج يقبل على الطعام بنشاط وهدوء فقد يدل ذلك على أن بذل الرائي يجد قبولًا وأثرًا طيبًا. وإن كان الدجاج يتزاحم ويتدافع فقد تشير الصورة إلى كثرة الطلبات عليه وحاجة إلى تنظيم العطاء. وإن كان الرائي يطعمها بتعب أو استعجال فقد يعبّر ذلك عن إرهاق من المسؤوليات. وإن كان يطعمها مبتسمًا مطمئنًا فالدلالة أقرب إلى الرضا والمحبة. وكل ذلك يُنظر فيه بميزان الاعتدال.
للمرأة العزباء قد تدل الرؤيا على روح الاهتمام والرعاية التي تتحلى بها مع أهلها وصديقاتها، أو على رغبتها في أن تكون مصدر عطاء. وقد تعبّر عن تفكير في عمل يقوم على العناية بالآخرين. وللمتزوجة قد تحمل معنى القيام على شؤون البيت من طعام ورعاية وتدبير. وإن كانت تعطي بسخاء وتجد مقابلًا من الود فهو معنى جميل مرجو. ولا يلزم من ذلك حكم ثابت، بل هي إشارات عامة.
وللرجل قد تدل الرؤيا على الإنفاق على الأسرة والاهتمام بشؤونها، أو على تحمل مسؤولية عمل يتولى فيه رعاية آخرين. وإن كان صاحب مشروع فقد توحي بأنه يحتاج إلى متابعة يومية ليكبر. وللمرأة الحامل قد تحمل الصورة معنى العناية بالنفس والاستعداد لرعاية المولود، دون أن يكون فيها تنبؤ بشيء. ويُنبّه إلى أن الحلم ليس نصيحة طبية، وأن كل ما يخص الحمل يُرجع فيه إلى الطبيبة المختصة. وتكفي الحامل الطمأنينة وحسن الظن بالله.
ولتفاصيل المشهد دلالات إضافية؛ فكمية الطعام قد توحي بحجم العطاء، وكثرته قد تدل على سعة في اليد، وقلته على تدبير مقتصد. وإن كان الطعام حبًا نقيًا جيدًا فالمعنى أقرب إلى خير يُبذل برضا. وإن كان الدجاج جائعًا يلحّ في الطلب فقد يشير إلى مطالب ملحّة من حول الرائي. وإن شبع وانصرف هادئًا فقد يُقرأ ذلك على أنه أداء واجب بتمام. وإن كان الإطعام في ساحة فهو أقرب إلى العلانية، وإن كان داخل البيت فهو أقرب إلى الخصوصية.
ومن الزاوية النفسية والعملية قد يعكس الحلم شعور الرائي بأنه يقدّم كثيرًا لمن حوله، أو رغبته في أن يُقدّر عطاؤه. وقد يظهر في أوقات الانشغال بالأبناء أو بالعمل أو برعاية الوالدين. ومن الحكمة أن يوازن بين عطائه وراحته، فلا يستنزف نفسه في الرعاية. وطلب المساعدة من الأهل وتقسيم المهام بينهم يخفف الحمل. وإن لم يكن في حياته ما يوافق ذلك فالأمر صورة عابرة لا أكثر.
وينبغي ألا يُفهم من الرؤيا أن كل عطاء يقابله مردود سريع ظاهر، فقد تكون ثمرة الرعاية متأخرة أو معنوية كالمودة وحسن السمعة وراحة الضمير. والمشاهد التي يكون فيها الرائي معطيًا تدعوه عادة إلى تأمل ما يبذله ولمن يبذله. فإن وجد أن عطاءه متوازن مع قدرته فليحمد الله على ذلك، وإن وجده زائدًا فليراجع طريقته بلطف. وتكرار الحلم دون ضيق لا يدعو إلى قلق، فهو في الغالب انعكاس لمألوف يومي. وفي كل الأحوال تبقى الرعاية الواعية خلقًا حسنًا يُرجى منه الخير.
وفي الختام، كل ما سبق اجتهاد بشري ظني يحتمل الصواب والخطأ، وليس حكمًا قاطعًا على ما سيكون. والغيب لا يعلمه إلا الله، والرؤيا إشارة رمزية تُتلقى بتواضع. فليحسن الرائي ظنه بالله، وليدعُ بالبركة في رزقه وبالتوفيق في رعاية أهله. وليستمر في عطائه الطيب وقد أخذ بأسبابه. ونرجو أن يجزي الله كل محسن خيرًا ويبارك في جهده.
