من المشاهد الجميلة التي قد تتكرر في منام كثير من الناس أن يرى الرائي نفسه يقدم هدية من العسل لشخص آخر، سواء كان قريبا أو صديقا أو حتى شخصا لا يعرفه جيدا في الواقع، وهو مشهد يحمل في طياته معاني العطاء والمودة قبل أي تفسير رمزي آخر. ومع جمال هذا المشهد، يبقى التذكير ضروريا بأن تفسير الأحلام اجتهاد بشري ظني، وأن كل ما سيأتي من معانٍ هو احتمال وارد لا حقيقة مؤكدة يجب التسليم بها كليا.
والعسل كما هو معلوم رمز الرزق الطيب والخير والكلام الحسن، فإذا أهداه الرائي لغيره في منامه فإن المعنى يتجه غالبا نحو أن الرائي سيقدم خيرا حقيقيا لمن حوله، سواء كان ذلك نصيحة صادقة، أو مساعدة مادية، أو كلمة طيبة تدخل السرور على قلب من يسمعها. وتحمل الهدية في عالم الرؤى عموما معنى توطيد العلاقة وتجديد المودة، فإهداء شيء بهذه القيمة الرمزية يرمز إلى رغبة صادقة في إسعاد الطرف الآخر وتقريبه أكثر.
نُسب إلى بعض من نقلوا عن ابن سيرين أن إهداء الطعام الطيب في المنام يدل على محبة صادقة بين المهدي والمهدى إليه، وأن نوع الطعام المهدى يعكس نوع الخير المقدم، فالعسل لكونه شفاء وغذاء معا يرمز إلى عطاء ينفع المتلقي في أكثر من جانب من جوانب حياته. وذهب بعض من نقل عن النابلسي إلى أن تقديم العسل تحديدا قد يرمز إلى نقل علم نافع أو حكمة من الرائي إلى غيره، لما للعسل من ارتباط بالحكمة والشفاء في الموروث الإسلامي. وتبقى هذه الآراء اجتهادات متفرقة لا ترقى إلى درجة اليقين القاطع.
وتختلف دلالة الرؤيا بحسب هوية من يستقبل الهدية وشعور الرائي وهو يقدمها؛ فإن كان المهدى إليه شخصا معروفا يحبه الرائي فهذا يرجح أن العلاقة بينهما ستزداد قوة وصفاء، أما إن كان شخصا غريبا فقد يرمز إلى خير يصل إلى يد من لا يتوقعه الرائي، وهذا من كرم الله الذي لا حدود له. كما أن فرح المهدى إليه بالهدية في الحلم يعزز معنى قبول هذا الخير والانتفاع به على أكمل وجه.
وللفتاة غير المتزوجة، قد يرمز هذا الحلم إلى رغبتها الصادقة في مساعدة من حولها، أو إلى عاطفة طيبة تكنها لشخص بعينه.
وللمرأة المتزوجة قد يدل إهداء العسل على حرصها على تقوية أواصر المحبة داخل أسرتها الصغيرة والكبيرة على حد سواء.
أما الرجل فغالبا ما يرتبط هذا الحلم بسخائه وكرمه مع أهله أو زملائه، وبأن هذا الكرم سيعود عليه بمودة واحترام متبادلين.
ومن التفاصيل الدقيقة التي تستحق الانتباه طريقة تغليف الهدية وتقديمها، فالعسل المقدم بعناية في وعاء جميل يرمز إلى إخلاص في العطاء، بينما تقديمه بشكل عشوائي أو مستعجل قد يشير إلى عطاء صادق لكنه يحتاج قليلا من مزيد من اللطف والاهتمام بالتفاصيل عند التعبير عنه.
ومما يستحق الذكر أيضا أن تكرار هذا الحلم مع نفس الشخص قد يعكس رغبة داخلية مستمرة لدى الرائي في رعاية هذه العلاقة بعينها والحفاظ عليها، بينما تنوع الأشخاص الذين يهديهم العسل في أحلام متفرقة قد يرمز إلى طبيعة كريمة عامة يتحلى بها الرائي تجاه كل من حوله دون تمييز أو تفضيل.
ويرى بعض من تناول هذا الباب أن رفض المهدى إليه لهذه الهدية في الحلم، إن وقع ذلك، لا ينبغي أن يُفهم بالضرورة على أنه رفض لشخص الرائي، بل قد يرمز إلى ظرف خاص بالطرف الآخر لا علاقة له بصدق نية المُهدي أو قيمة عطائه، وهذا تفصيل مهم يمنع الرائي من حمل رؤياه على معنى سلبي لا أساس متين له. أما قبول الهدية بترحاب وامتنان فهو المشهد الأكثر شيوعا والأقرب إلى المعنى الإيجابي الغالب في هذا النوع من الرؤى.
ومن اللافت أيضا أن بعض الرائين يرون أنفسهم يهدون العسل في مناسبة معينة كزيارة أو عيد، وهو تفصيل يربط الخير بتلك المناسبة تحديدا، بينما إهداؤه في يوم عادي دون سبب ظاهر قد يرمز إلى عطاء عفوي ينبع من طيبة القلب دون انتظار لمناسبة أو مقابل، وهو من أجمل أنواع العطاء التي يحث عليها ديننا الحنيف في غير موضع.
وللحامل التي ترى نفسها تهدي العسل لغيرها، فقد يرمز هذا المشهد إلى رغبتها في مشاركة فرحتها القادمة مع من حولها، وإلى طبيعتها الكريمة التي ستنعكس على تربيتها لمولودها فيما بعد بإذن الله، وهو معنى جميل يضيف بعدا عاطفيا دافئا لهذه الرؤيا الطيبة.
وفي الختام، يبقى على الرائي أن يدرك أن هذا التفسير اجتهاد بشري ظني لا يملك اليقين، وأن الغيب علمه عند الله وحده، فليستمر في عطائه وكرمه في واقعه بغض النظر عن تفسير رؤياه، وليسأل الله أن يبارك في عطائه ويجعله خالصا لوجهه الكريم.
