من المشاهد الغريبة المدهشة التي قد تُرى في المنام أن يجد الرائي العسل يسيل من جدران بيته أو مكان ما يعرفه جيداً، وكأن الجدران نفسها أصبحت مصدراً لهذه المادة الطيبة، فيتعجب من هذا المنظر غير المعتاد ويحاول أحياناً جمع ما يسيل منه أو مجرد التأمل فيه بدهشة. وهذا المشهد يختلف عن رؤية العسل في مصادره الطبيعية المعروفة كالشجر أو خلايا النحل، لأنه يربط هذه المادة الطيبة بمكان السكن والاستقرار تحديداً. ومن المهم بداية، كما في كل رؤيا، التأكيد على أن هذا تفسير ظني اجتهادي لا يصل إلى درجة اليقين القاطع.
والجدران والبيوت في عالم الرؤى ترتبط غالباً بالاستقرار والأمان والحياة الأسرية، فإذا سال منها العسل، فإن كثيراً من المعبرين يميلون إلى القول إن هذا يدل على بركة تعم هذا البيت وأهله، أو على رزق يأتي من داخل البيت نفسه، كعمل يُمارس من المنزل أو مصدر دخل مرتبط بالأسرة، أو على سعادة وسكينة تسود هذا المكان بعد فترة من الاضطراب أو القلق. وقد يُحمل أيضاً على خير يفيض عن حاجة أهل البيت ليصل إلى من حولهم من الجيران أو الأقارب، كما يفيض العسل عن الجدران إلى خارجها.
نُسب إلى بعض المعبرين أن رؤية الخير يفيض من أماكن غير معتادة في المنام تدل على بركة غير متوقعة تأتي الرائي من حيث لا يحتسب، وذهب بعضهم إلى أن سيلان العسل من الجدران تحديداً قد يرمز إلى أن أساس هذا البيت نفسه، أي أهله وعلاقاتهم الداخلية، أصبح مصدراً للخير والمودة بعد أن ربما كان يعاني من شيء من الجفاف العاطفي أو المادي في فترة سابقة. وهذه معانٍ اجتهادية جميلة تستأنس بها دون قطع، فلم تُجمع عليها المصادر بصيغة واحدة ثابتة.
ويختلف المعنى بحسب غزارة هذا السيلان ومدته في الحلم، فالسيلان الغزير المستمر يحمل دلالة على خير وفير ممتد، بينما السيلان الخفيف المتقطع قد يدل على خير يأتي بالتدريج لا دفعة واحدة. كذلك فإن شعور الرائي وهو يشاهد هذا المشهد، بين الفرح والدهشة السارة أو القلق من غرابة الأمر، يضيف بعداً نفسياً مهماً لفهم طبيعة هذا الخير المرتقب وكيفية استقباله.
وبالنسبة لمن يملك بيتاً جديداً انتقل إليه حديثاً، فقد تحمل هذه الرؤيا بشارة ببركة هذا البيت الجديد ويُمن انتقاله إليه. أما لمن يعيش في بيت قديم ورثه عن أهله، فقد ترمز إلى استمرار بركة هذا الإرث العائلي فيه. وإن كانت الرائية امرأة متزوجة، فقد تُحمل الرؤيا على خير يعم بيتها الزوجي تحديداً بفضل حسن تدبيرها وصبرها.
ومن التفاصيل التي تستحق الانتباه أي جدار من جدران البيت سال منه العسل، فجدار غرفة المعيشة المشتركة يختلف عن جدار غرفة خاصة، وقد يضيف هذا التفصيل بعداً دقيقاً لمن يرغب في تعميق فهم الرؤيا بحسب طبيعة المكان المحدد الذي ظهر فيه هذا المشهد العجيب.
وقد يُحمل اختيار الحلم لجدار بعينه، كجدار المطبخ أو غرفة الجلوس المشتركة، على ارتباط هذه البركة بنشاط معين يمارسه أهل البيت في ذلك المكان تحديداً من حياتهم اليومية المعتادة.
ومما يستحق الذكر أيضاً أن نظافة العسل السائل من الجدران وصفاءه، بعيداً عن أي أوساخ تخالطه من الحائط نفسه، يدل على نقاء مصدر هذه البركة، بينما اختلاطه بغبار أو بقايا الجدار قد يشير إلى حاجة لتنقية هذا الخير من شوائب بسيطة تحتاج إلى تمحيص قبل الانتفاع الكامل به.
ومن التفاصيل الإضافية التي يذكرها بعضهم أن رد فعل أهل البيت الآخرين تجاه هذا المشهد العجيب، بين الفرح والمشاركة في جمع العسل أو الخوف والاستغراب منه، يعكس طبيعة تعامل الأسرة مع النعم التي تأتيها، فالأسرة التي تستقبل الخير بفرح وشكر جماعي تدل على تماسكها وترابطها، بخلاف أسرة يتوزع أفرادها بين مشاعر متضاربة تجاه النعمة ذاتها.
ويضيف بعض المعبرين أن استمرار هذا السيلان لفترة طويلة في الحلم دون أن يتوقف يرمز إلى ديمومة هذه البركة واستمرارها لفترة ممتدة في حياة أهل البيت، بخلاف توقفه السريع الذي قد يشير إلى خير عابر لا يستمر طويلاً وإن كان حقيقياً في وقته.
وفي الختام، فإن هذا كله اجتهاد بشري ظني غريب الصورة جميل المعنى، لا يصح البناء عليه وحده، وخير ما يفعله الرائي أن يشكر الله على نعمة بيته وأهله، ويسعى للحفاظ على استقرار هذا البيت بالعمل والمودة الحقيقية، داعياً ربه أن يبارك له في سكنه ومن يسكن معه فيه.
