من المشاهد التي تحمل تبايناً حسياً قوياً أن يرى الرائي نفسه يتذوق أولاً شيئاً مراً أو كريهاً، ثم ينتقل مباشرة بعد ذلك إلى تذوق العسل بحلاوته الواضحة، فيشعر بتباين شديد بين المرارة الأولى والحلاوة التي تليها، وكأن النفس تختبر في المنام رحلة كاملة من الضيق إلى الفرج في مشهد واحد متتابع. هذا التباين المتعمد في المشهد يحمل دلالة قوية تستحق تفسيراً خاصاً، مع التذكير الثابت أن هذا العلم اجتهاد ظني لا قطعي.
فالعسل كما تكرر يرمز إلى الرزق الحلال والخير وحلاوة العيش، والمرارة التي تسبقه في هذا المشهد تحديداً ترمز غالباً إلى مرحلة من الصعوبة أو الألم أو الابتلاء يمر بها الرائي أو مر بها فعلاً، فالانتقال من المر إلى الحلو في تتابع مباشر يحمل بشارة واضحة المعالم بأن مرحلة الضيق التي عاشها أو يعيشها الرائي إلى زوال، وأن فرجاً حقيقياً قادم بعدها، وهذا من أكثر مشاهد العسل وضوحاً في حمل معنى الأمل والتفاؤل بعد المعاناة.
وقد ذهب بعض المعبرين إلى أن تتابع الطعوم المتضادة في المنام، من المر إلى الحلو، يدل على سنة إلهية معروفة في تعاقب الشدة بالرخاء، وأن من رأى هذا التتابع في منامه فإن رؤياه تبشره بأن ما يمر به من صعوبة إنما هو مرحلة عابرة ستعقبها أيام أفضل بكثير، وربما يكون في ذلك تذكير بأن قيمة الفرج وحلاوته إنما تُدرك حق إدراكها بعد المرور بالضيق، فمن لم يذق المرارة لا يقدر الحلاوة حق قدرها، وهذا من الحكم التي تستحق التأمل العميق لا مجرد المرور العابر عليها.
ويتأثر المعنى بشدة المرارة الأولى ومدتها في المنام؛ فإن كانت خفيفة سريعة الزوال فقد تشير إلى ضيق بسيط قارب على الانتهاء بالفعل، أما إن كانت شديدة طويلة قبل وصول الحلاوة، فقد تعكس حجم المعاناة الحقيقية التي يمر بها الرائي، مع بقاء البشارة قائمة بأن النهاية ستكون طيبة مهما طال الطريق إليها.
فللشخص الذي يمر بمرض أو محنة صحية، تبشر هذه الرؤيا غالباً بالشفاء القريب وزوال الألم الذي يعانيه.
وللرجل الذي يعاني ضائقة مالية، قد ترمز إلى فرج قريب في رزقه بعد فترة من الشدة والضيق التي طالت عليه.
وللمرأة التي تمر بخلاف أسري أو زوجي، قد تبشر الرؤيا بعودة الألفة والمودة بعد فترة من التوتر والجفاء.
وللطالب الذي يجتهد في دراسة صعبة، قد يرمز الحلم إلى أن تعبه الحالي سيُثمر نجاحاً حلواً يستحق كل هذا الجهد المبذول.
ومن التفاصيل الدقيقة: سرعة الانتقال من المر إلى الحلو، فالانتقال السريع يبشر بفرج عاجل، والبطيء يشير إلى فرج قريب لكن يحتاج صبراً أطول قليلاً، وشدة الحلاوة النهائية مقارنة بشدة المرارة الأولى، فكلما كانت الحلاوة أقوى كان الفرج أعظم وأشمل مما كان يتوقعه الرائي.
وفي الختام، تحمل هذه الرؤيا بشارة جميلة تستحق التفاؤل، لكنها تبقى كغيرها اجتهاداً بشرياً ظنياً لا يُجزم بتوقيته الدقيق، فليصبر الرائي ويحتسب أجره عند الله في ضيقه، وليحسن الظن به في فرجه، فإن مع العسر يسراً لا محالة بإذن الله.
ومن الجوانب الإضافية التي تستحق الذكر أن هذا النوع من الرؤى يحمل رسالة نفسية عميقة مفادها أن المرارة التي يعيشها الإنسان في فترة من فترات حياته ليست نهاية المطاف، بل قد تكون تمهيداً ضرورياً لحلاوة أعظم تالية لها، وهذا معنى يستحق أن يستحضره كل من يمر بضيق شديد يظن معه أحياناً أن الفرج لن يأتي أبداً، فالرؤيا هنا أشبه بتذكير رباني لطيف بأن سنة التناوب بين الشدة والرخاء ثابتة لا تتخلف، وأن الصبر على المرارة المؤقتة هو الثمن الذي كثيراً ما يسبق الحصول على الحلاوة الدائمة.
وينبغي للرائي أيضاً ألا يستعجل زوال المرارة بطرق غير مشروعة أو متسرعة، بل يصبر ويأخذ بالأسباب المتاحة له بهدوء وثقة، فالفرج الذي يأتي في وقته الصحيح بعد صبر محمود أبقى أثراً وأعمق طعماً من فرج يُستعجل بطرق قد تحمل في طياتها أضراراً أخرى لم تكن في الحسبان.
وفي الختام، تحمل هذه الرؤيا بشارة جميلة تستحق التفاؤل، لكنها تبقى كغيرها اجتهاداً بشرياً ظنياً لا يُجزم بتوقيته الدقيق، فليصبر الرائي ويحتسب أجره عند الله في ضيقه، وليحسن الظن به في فرجه، فإن مع العسر يسراً لا محالة بإذن الله وحده.
