من المشاهد التي يرويها كثير من الرائين أن يجد أحدهم نفسه في المنام وهو يحمل إناءً مملوءاً بالعسل، فينزلق من يده أو يصطدم به شيء فينسكب على الأرض أو على ثيابه، فيستيقظ وفي نفسه شعور بالأسف والحسرة على ما فات. هذا المشهد ليس نادراً، وهو من الرؤى التي تحرك في النفس تساؤلاً ملحاً عن معناها، لكن ينبغي قبل الخوض في أي تأويل أن نذكّر أنفسنا بأن تفسير الأحلام علم ظني قائم على الرمز والاجتهاد البشري، وليس وحياً ولا علماً قطعياً، فلا يصح أن يُبنى عليه قرار أو يُستجلب به قلق دائم.
والعسل في عمومه من أحب الرموز وأكثرها بشارة في كتب التعبير، إذ يرتبط غالباً بالرزق الحلال الطيب الذي يأتي بغير كد ولا تعب يُذكر، كما يرتبط بحلاوة العيش، وبالكلام الطيب والمحبة بين الناس، وأحياناً بالشفاء والبركة، لما عُرف عن العسل من كونه غذاءً ودواءً في آن. فإذا ظهر العسل في المنام فإن الذهن الأول يميل إلى تلقيه بشارة خير، لكن تفصيل الحال يتوقف دائماً على سياق الرؤيا وتفاصيلها الدقيقة لا على مجرد ورود الرمز.
وقد نُسب إلى الإمام ابن سيرين رحمه الله أن رؤية العسل تدل في الغالب على المال الحلال والرزق الطيب الذي يناله الرائي بيسر، وأن وجدان العسل أو أكله يشير إلى الخير الآتي. أما ما يخص إراقته أو ضياعه فقد ذهب بعض من نقل عنهم من المفسرين إلى أن إراقة الشيء النفيس في المنام، كالعسل أو غيره من المواد الثمينة، قد تشير إلى تفريط الرائي في نعمة وصلت إليه أو قاربت أن تصله، أو إلى فوات فرصة طيبة بسبب غفلة أو تسرع، وذهب آخرون إلى أن الأمر لا يعدو كونه تنبيهاً بالحرص دون أن يحمل دلالة خسارة فعلية، مع تفاوت واضح بين هذه الأقوال واعتمادها على سياق كل رؤيا بعينها.
ومما ينبغي الانتباه إليه أن تفسير هذا الحلم يتغير بتغير تفاصيله؛ فليس إراقة قليل من العسل كإراقة إناء كامل، وليس الانسكاب العرضي البسيط كالانسكاب الذي يصحبه حزن شديد أو بكاء في المنام، كما أن شعور الرائي عند الحادثة له أثر كبير، فإن كان غير مكترث فقد يدل ذلك على أن الأمر عابر لا يستحق القلق، وإن كان متحسراً فربما يعكس خشيته الفطرية من تفويت خير يسعى إليه في يقظته.
فأما الفتاة غير المتزوجة التي ترى نفسها تريق العسل خطأً، فقد يرتبط ذلك أحياناً بخوف داخلي من تفويت فرصة طيبة تخصها، كعرض زواج أو مناسبة سارة، دون أن يعني ذلك حتماً وقوع المكروه، بل قد يكون تذكيراً بالحرص والتروي في قراراتها.
وأما المرأة المتزوجة فقد يشير هذا المشهد أحياناً إلى قلقها من تبديد نعمة في بيتها، كمال أو استقرار أسري، وقد يدفعها الحلم إلى مزيد من الحرص والتدبير في شؤون بيتها دون أن يكون نذيراً بسوء محقق.
وأما الرجل فقد يرتبط الحلم في حقه بمشروع أو مصدر رزق يخشى عليه من التفريط أو سوء الإدارة، فيكون الحلم أقرب إلى تنبيه وجداني منه إلى خبر عن المستقبل.
وتبقى تفاصيل أخرى مؤثرة في المعنى، كلون العسل الذي انسكب ونقائه، فالعسل الصافي النقي أقرب إلى الخير من العسل الغامق أو الممزوج بشوائب، وكذلك نوع الإناء الذي كان يحمله، ومكان الانسكاب هل كان على أرض نظيفة أم في تراب، وهل تمكن من تلافي شيء منه أم ضاع كله، فكل هذه التفاصيل تضيف ظلالاً للمعنى العام دون أن تغيره جذرياً.
وفي ختام الحديث، يبقى الأصل الذي لا ينبغي نسيانه أن هذا كله اجتهاد بشري ظني يحتمل الخطأ والصواب، وليس بابه باب اليقين، فلا يصح أن يُتخذ أساساً لقرار حياتي أو مصدراً لقلق متواصل. والأولى بالرائي أن يستقبل رؤياه بالدعاء وحسن الظن بالله، وأن يذكر أن علم الغيب كله عند الله وحده، وأن هذه الرؤى إنما هي خواطر وإشارات لا تُغني شيئاً عن التوكل والعمل والأخذ بالأسباب.
ومن الزوايا الأخرى التي تستحق التأمل أن بعض المعبرين يربطون انسكاب الطعام الطيب في المنام بحالة من التوتر النفسي يعيشها الرائي في يقظته تجاه مسؤولية يخشى التفريط فيها، كأمانة أو وعد أو مشروع يخاف ضياعه بين يديه، فتكون الرؤيا انعكاساً لهذا القلق الداخلي أكثر من كونها خبراً مؤكداً بوقوع خسارة فعلية. وقد يكون العلاج العملي لمثل هذا الشعور أن يراجع الرائي ترتيباته في يقظته، وأن يأخذ بأسباب الحفظ والحيطة فيما يخشى ضياعه، فذلك أدعى لطمأنينة قلبه من مجرد الانشغال الطويل بتأويل الحلم وتفصيلاته.
وتجدر الإشارة أيضاً إلى أن كثيراً من الرائين يبالغون في تفسير مشاعر الحزن العابرة داخل الحلم، فيظنون أن كل حزن في المنام إنذار بمصيبة، في حين أن النفس أثناء النوم كثيراً ما تنفّس عن مخاوف يومية بسيطة لا ترقى إلى مستوى الإنذار، فإذا استيقظ الرائي وفي نفسه أثر خفيف من القلق بعد هذه الرؤيا فالأحسن أن يتعامل معه بالاستغفار والدعاء، لا بتضخيم الأمر أو ربطه بكل حادثة تقع له لاحقاً، فهذا من باب حسن الظن بالله الذي يحب من عباده أن يلقوه وهم راجون رحمته.
وختاماً، فإن ما سبق كله ظن واجتهاد بشري لا يرقى إلى القطع، فليحسن الرائي الظن بربه، وليجعل الدعاء سبيله إلى الطمأنينة بدل الانشغال المفرط بتأويل كل تفصيل يراه في منامه.
