من المشاهد النادرة التي قد يرويها بعض الناس بدهشة بالغة أن يجدوا أنفسهم في المنام يسبحون في كمية هائلة من العسل، يتحركون فيه بحرية كما لو كان ماءً، ويشعرون بملمسه الكثيف الحلو يحيط بأجسادهم من كل جانب. هذا المشهد غير المألوف في الواقع يترك أثراً عميقاً في نفس الرائي عند الاستيقاظ، ويدفعه للتساؤل الملح عن معناه، ولا بد قبل الخوض في أي تأويل من التذكير بأن تفسير الأحلام علم ظني اجتهادي قائم على الرمز، لا علماً يقينياً قاطعاً يُعتمد عليه في تقرير حقيقة الغيب.
والعسل كما تكرر في مواضع كثيرة يرمز إلى الرزق الحلال الطيب، وحلاوة العيش، والبركة، والشفاء، فإذا تحول هذا الرمز من كونه شيئاً يُؤكل بقدر إلى محيط كامل يغمر الرائي ويسبح فيه، فإن المعنى يتجه نحو الإحاطة الشاملة بهذا الخير، وكأن الرؤيا تحكي عن مرحلة يغمر فيها الرخاء والطمأنينة حياة الرائي من جميع جوانبها، لا في جانب واحد محدود فحسب، بل في محيط واسع يكاد يستغرقه بالكامل.
وقد ذهب بعض من تحدث في هذا الباب من المعبرين إلى أن الانغماس الكامل في شيء طيب في المنام، كالسباحة في اللبن أو العسل، يدل على نعمة شاملة تحيط بالرائي من كل جانب، سواء كانت مادية أو معنوية، وأن من رأى نفسه يسبح بلذة وارتياح في العسل فإن ذلك يبشر بفترة من الرخاء الوافر تشمل جوانب متعددة من حياته، بينما من شعر بثقل أو صعوبة في الحركة أثناء السباحة فقد تحمل رؤياه معنى مختلفاً يتعلق بكثرة النعم إلى حد قد يصعب التعامل معه أو تنظيمه، مع تفاوت واضح بين المعبرين في هذا التفصيل الدقيق.
ويتوقف المعنى كثيراً على شعور الرائي أثناء السباحة؛ فإن كان يسبح بخفة ومتعة وهو يضحك أو يبتسم، فذلك أقرب إلى تمام الفرح بالخير الشامل الآتي، أما إن شعر بصعوبة في التنفس أو الحركة رغم حلاوة المادة من حوله، فقد يشير ذلك إلى أن كثرة الانشغال بالنعم المادية قد تُنسي الرائي بعض أولوياته الأخرى، وأن عليه أن يوازن بين الاستمتاع بالرزق والانتباه لما هو أهم منه.
فللرجل صاحب الأعمال المتعددة، تبشر هذه الرؤيا غالباً باتساع دائرة رزقه بشكل ملحوظ يشمل أكثر من مصدر واحد في وقت متقارب.
وللمرأة سواء كانت متزوجة أو غير متزوجة، قد ترمز إلى شعورها بالرضا الشامل عن حياتها في هذه المرحلة، إذ تجتمع لها أسباب السعادة من أكثر من جهة.
وللشاب في بداية حياته العملية، قد تبشر بموجة من التوفيق تطاله في أكثر من مجال في وقت متقارب، كنجاح دراسي يصاحبه استقرار شخصي.
وللحامل، قد يرتبط هذا المشهد بشعور عام بالرفاهية والراحة يصاحب فترة حملها، ويبشر بخير يحيط بها وبمولودها من كل جانب.
ومن التفاصيل الدقيقة التي تُثري الفهم: كثافة العسل ولونه أثناء السباحة، ومدى اتساع المساحة التي يسبح فيها الرائي، وهل كان وحده أم يشاركه آخرون هذا المحيط الحلو، فمشاركة الآخرين قد تضيف معنى الخير الجماعي الذي يشمل الرائي ومن حوله معاً لا الرائي وحده.
وفي الختام، رغم غرابة هذا المشهد وثقل دلالته الإيجابية الظاهرة، يبقى تفسيره اجتهاداً بشرياً ظنياً لا يرقى إلى اليقين، فلا يصح أن يُعلَّق عليه القلب تعلقاً مطلقاً، والأولى بالرائي أن يستقبله بالشكر والدعاء وحسن الظن بالله، فهو سبحانه وحده العالم بما تخبئه الأيام القادمة.
ومن الجوانب الإضافية التي تستحق التأمل أن اتساع المساحة التي يسبح فيها الرائي يعكس أحياناً حجم الطموح الذي يحمله في قلبه؛ فمن رأى نفسه يسبح في محيط واسع بلا حدود ظاهرة، فقد يشير ذلك إلى طموحات كبيرة تتناسب مع سعة هذا المشهد، بينما من سبح في مساحة محدودة كبركة صغيرة من العسل فقد تكون طموحاته أكثر واقعية وتحديداً. كما أن اتجاه السباحة له دلالته عند بعض من تناول هذا الباب؛ فالسباحة إلى الأمام بثبات توحي بتقدم مستمر نحو الأهداف، بينما الدوران في المكان نفسه دون تقدم واضح قد يشير إلى مرحلة من الاستمتاع بالنعمة الحالية دون سعي فعلي لتطويرها أو البناء عليها مستقبلاً، وهذا تنبيه لطيف لا ينبغي إغفاله رغم إيجابية المشهد العام.
وينبغي أيضاً أن يتذكر الرائي أن مثل هذه الرؤى الكبيرة الشاملة، حين تتحقق في الواقع ولو جزئياً، تستوجب شكراً مضاعفاً لله، وحسن استثمار لهذه النعمة الواسعة بما يرضي الله ويعود بالنفع على الرائي ومجتمعه معاً، فكثرة الخير مسؤولية كما هي نعمة، ومن أُعطي كثيراً سُئل عن كثير.
