من المشاهد التي تحمل طابع التجربة والاختبار أن يرى الرائي نفسه في مكان يحتوي على أنواع متعددة من العسل، فيأخذ من كل نوع قليلاً ليتذوقه، مقارناً بين طعم هذا وذاك، وربما يفضل نوعاً على آخر أو يجد صعوبة في الاختيار بينها جميعاً. هذا المشهد يختلف عن مجرد رؤية تعدد الألوان، إذ يضيف فعل التذوق والمقارنة النشط الذي يقوم به الرائي بنفسه، وهو ما يستدعي تفسيراً يراعي هذا البعد الفعال، مع التذكير الثابت أن هذا العلم اجتهاد ظني لا يقيني.
فالعسل كما تكرر يرمز إلى الرزق الحلال والخير بعامة، وفعل التذوق والمقارنة بين أنواعه المتعددة يضيف معنى يتعلق بمرحلة من مراحل اتخاذ القرار يمر بها الرائي في يقظته، كأن يكون أمامه أكثر من خيار أو عرض أو فرصة، ويحتاج إلى وقت واختبار قبل أن يستقر على أحدها، فالرؤيا هنا أقرب إلى تصوير لحالة ذهنية قائمة فعلاً أكثر من كونها خبراً مباشراً عن حدث مستقبلي محدد.
وقد ذهب بعض المعبرين إلى أن تذوق أشياء متعددة في المنام بحثاً عن الأفضل يدل على حكمة الرائي في عدم التسرع، وعلى أنه شخص يحسن الموازنة بين الخيارات قبل الالتزام بأحدها، وذهب آخرون إلى أن طول فترة التذوق دون استقرار على خيار نهائي قد يشير إلى تردد زائد عن الحد قد يُفوّت على الرائي بعض الفرص إن لم يحسم أمره في وقت مناسب، فالتوازن هنا مطلوب بين التأني المحمود والتردد المعيق، وهذا من المواضع التي تحتاج فطنة الرائي في تطبيقها على واقعه الخاص.
ويتأثر المعنى بما إذا استقر الرائي في النهاية على نوع معين أحبه أكثر من غيره أم استمر حائراً دون قرار؛ فالاستقرار على اختيار واضح مع الشعور بالرضا التام عنه يميل إلى بشارة باتخاذ قرار موفق قريب في واقعه، بينما استمرار الحيرة دون حسم قد يعكس حاجته لمزيد من المعلومات أو الوقت قبل أن يستطيع الحسم بثقة.
فللشاب المتردد بين أكثر من فرصة عمل، تعكس هذه الرؤيا غالباً حالته الذهنية الفعلية، وتشجعه ضمنياً على أخذ وقته الكافي في المقارنة دون قلق من هذا التروي.
وللفتاة التي تقارن بين أكثر من خاطب أو عرض زواج، قد يرمز الحلم إلى حكمتها في عدم التسرع، مع تذكير لطيف بألا تطيل الحيرة أكثر من اللازم إن توفرت لديها معايير واضحة للاختيار.
وللرجل صاحب القرار في مشروع تجاري بين عدة خيارات استثمارية، قد يعكس الحلم مرحلته الحالية من دراسة الجدوى والمقارنة قبل الإقدام على القرار النهائي.
ومن التفاصيل الدقيقة: عدد الأنواع التي تذوقها الرائي، وأيها استغرق وقتاً أطول في تذوقه وتأمله، وهل أعجبه نوع واحد بوضوح أم تساوت لديه جميعاً في عدم التفضيل، فكل هذه العناصر تعكس طبيعة القرار الذي يواجهه في واقعه وحجم التعقيد فيه.
ومما يزيد الأمر وضوحاً أن يتذكر الرائي أن كثرة الخيارات نعمة في ذاتها تستحق الشكر، لا مصدراً للقلق والإرهاق الذهني، فمن رزقه الله أكثر من طريق طيب للاختيار منه فعليه أن يستعين بالاستخارة الصادقة وطلب المشورة من أهل الخبرة والصلاح، ثم يحسم أمره بثقة وتوكل، غير متردد في العودة عن قرار اتخذه بعد تفكير متأنٍ إن ظهر له ما يستدعي ذلك لاحقاً.
وفي الختام، تبقى هذه الرؤيا كغيرها اجتهاداً بشرياً ظنياً لا يُجزم بصحته، فعلى الرائي أن يستعين بالله في اختياراته، وأن يحسن الظن به في كل قرار يتخذه، فهو سبحانه الهادي إلى سواء السبيل لمن استعان به صادقاً.
ومن الملاحظات الإضافية أن بعض الرائين يجدون في المنام نوعاً واحداً يفضلونه بوضوح شديد منذ أول تذوق، وهذا بحد ذاته إشارة مفيدة للرائي بأن حدسه الداخلي ربما يكون قد حسم أمراً لم يصرح به بعد لنفسه في يقظته، فليستمع لهذا الحدس بعد الاستيقاظ ويراجع خياراته بصدق، فقد يجد أن قلبه كان يميل من البداية لخيار بعينه لكنه كان متردداً في الاعتراف به لنفسه خشية أو تحفظاً غير مبرر. كما أن تكرار هذا النوع من الأحلام قد يكون دافعاً عملياً للرائي كي يحسم أمره أخيراً بدل الاستمرار في دوامة المقارنة التي قد تستهلك وقته وطاقته دون طائل حقيقي.
وفي الختام، تبقى هذه الرؤيا كغيرها اجتهاداً بشرياً ظنياً لا يُجزم بصحته، فعلى الرائي أن يستعين بالله في اختياراته، وأن يحسن الظن به في كل قرار يتخذه، فهو سبحانه الهادي إلى سواء السبيل لمن استعان به صادقاً مخلصاً في نيته.
