على النقيض من مشهد التقاسم الكريم، يرى بعض الناس في منامهم أنهم يملكون عسلاً، ويطلب منهم أحد أن يعطيه شيئاً منه، فيمتنعون أو يتظاهرون بعدم امتلاكه، أو يعطون القليل مع شعور داخلي بالضيق والتردد. هذا المشهد يترك أثراً من عدم الارتياح في نفس الرائي عند الاستيقاظ، لأنه يكشف جانباً من النفس قد لا يحب الإنسان أن يراه في نفسه، وتفسيره كغيره من الرؤى اجتهاد ظني لا يصح الجزم بصحته أو تعميمه على حقيقة خلق الرائي في يقظته.
فالعسل كما تكرر رمز للرزق الحلال والخير والبركة، والامتناع عن مشاركته مع من يطلبه قد يرمز إلى صفة البخل أو الخوف من نقصان النعمة إذا شورك فيها، وهو خوف غير مبرر غالباً لأن بركة الله لا تنقص بالعطاء بل تزداد، كما هو معلوم من سنن كثيرة في الحياة أن المنفق يُخلف الله له ما أنفق. ومع ذلك فإن ظهور هذا المشهد في المنام لا يعني بالضرورة أن الرائي بخيل في حقيقته، بل قد يكون انعكاساً لمخاوف مالية مؤقتة يمر بها، أو لتجربة سابقة أساء فيها أحدهم استغلال كرمه فصار أكثر حذراً.
وقد ذهب بعض المعبرين إلى أن منع الخير عن الطالب له في المنام قد يشير إلى ضيق مالي مؤقت يمر به الرائي يجعله غير قادر فعلياً على العطاء كما يرغب، فيكون الحلم تصويراً لواقع حاله لا تعبيراً عن خلقه الأصيل، وذهب آخرون إلى أن تكرار مثل هذا الحلم مع شعور بالراحة التامة تجاه المنع، لا مجرد الحرج، قد يستدعي من الرائي مراجعة صادقة لنفسه فيما يخص سخاءه مع من حوله، فليس كل بخل في المنام مجرد عرض عابر بل قد يكون أحياناً مرآة صادقة تستحق النظر فيها دون إنكار أو تبرير زائد.
ويتأثر المعنى بشعور الرائي أثناء الرفض؛ فإن شعر بالذنب والحرج الشديد وهو يرفض العطاء، فذلك أقرب إلى كونه حلماً تنبيهياً يدفعه نحو مراجعة نفسه بلطف، أما إن شعر بالراحة التامة والقناعة بموقفه، فقد يستدعي الأمر تأملاً أعمق في طبيعة علاقته بالعطاء والكرم بصورة عامة في حياته.
فللرجل الذي يمر بضائقة مالية فعلية في يقظته، قد يعكس هذا الحلم قلقه الحقيقي من ألا يكفيه رزقه حتى لمساعدة من حوله، وهو شعور إنساني مفهوم لا يستوجب لوماً ذاتياً شديداً.
وللمرأة التي تشعر بأنها تُستغل من قبل بعض المقربين منها، قد يرمز الحلم إلى حاجتها لوضع حدود صحية في عطائها، فليس كل منع بخلاً مذموماً بل قد يكون حكمة في موضعها الصحيح.
وللشاب في بداية استقلاله المادي، قد يعكس الحلم توتره الطبيعي من مسؤولية إدارة ماله الجديد وخوفه من استنزافه قبل أن يستقر وضعه.
ومن التفاصيل الدقيقة: هوية من طلب العسل ولم يُعطَه، فإن كان قريباً محتاجاً فعلاً فالدلالة تميل أكثر لتنبيه أخلاقي، وإن كان شخصاً معروفاً بسوء استغلاله لكرم الآخرين فقد يكون المنع في الرؤيا حكمة لا عيباً، وكمية العسل الممنوعة وهل كانت كل ما يملكه الرائي أم جزءاً يسيراً منه.
وفي الختام، يبقى هذا التأويل اجتهاداً بشرياً ظنياً لا يصح أن يُحمَّل الرائي ذنباً مؤكداً بسببه، فالأولى أن يستخدمه كمرآة لمراجعة نفسه بصدق ولطف، مع الدعاء وحسن الظن بالله الذي يعلم ضعف الإنسان ويحب منه التوبة والرجوع لا جلد الذات المفرط.
ومما يزيد الأمر وضوحاً أن يتذكر الرائي أن الكرم الحقيقي لا يعني العطاء بلا حدود لكل طالب دون تمييز، بل يعني إحسان التقدير بين من يستحق المساعدة فعلاً ومن قد يسيء استخدامها، وأن النية الصالحة في القلب هي الأساس الذي يحاسب الله عليه، لا مجرد الصورة الظاهرة في المنام التي قد لا تعكس كامل الحقيقة الداخلية للرائي.
ومما يزيد الصورة وضوحاً أن يفرق الرائي بين البخل الحقيقي الذي يستقر في القلب كصفة ثابتة، وبين الحذر المشروع الذي ينشأ من تجربة سيئة سابقة مع شخص بعينه أساء استغلال كرم غيره، فالثاني ليس مذموماً بل هو من الفطنة المحمودة التي أوصى بها كثير من الحكماء، إذ ليس من الحكمة أن يستمر الإنسان في العطاء لمن يسيء استخدام عطائه دون حدود أو وعي. ومن المفيد أن يراجع الرائي بعد مثل هذا الحلم دوافعه الحقيقية بصدق مع نفسه، فإن وجد أن المنع كان بدافع الخوف غير المبرر من النقصان، فليجاهد نفسه على التخلص من هذا الخوف بالتصدق ولو بالقليل، فإن التجربة العملية للعطاء غالباً ما تكسر حاجز الخوف من الفقر الذي يتسلل أحياناً إلى النفوس دون سبب واقعي حقيقي يبرره.
وختاماً، فإن هذا التأويل يبقى ظناً بشرياً يحتمل الصواب والخطأ، ولا ينبغي أن يتحول إلى مصدر قلق دائم أو جلد للذات، بل الأولى استخدامه كفرصة للنمو الأخلاقي الهادئ، مع الدعاء بأن يرزق الله الرائي سخاء القلب وسعة الرزق معاً، فهما نعمتان متلازمتان في كثير من الأحيان.
