من الرؤى التي تثير التساؤل أن يرى الإنسان نفسه في بيت جديد، ثم يسمع أصواتا غريبة لا يعرف مصدرها، كطرق على الجدران، أو خطوات في الممر، أو همسات خافتة، أو صرير أبواب، أو حتى أصوات جميلة كأنها ترتيل أو زقزقة طيور. وتتكرر هذه الرؤية لدى من انتقلوا حديثا إلى مسكن جديد في الواقع، كما تتكرر لدى من يمرون بمرحلة غامضة في حياتهم. وقد يستيقظ الرائي متوجسا أو مندهشا، ويتساءل عن معنى هذه الأصوات. ومن المهم التذكير أولا بأن تفسير الأحلام رمزي اجتهادي، وأن الأصوات في المنام كثيرا ما تكون من صنع الذهن المنشغل، لا علامة على أمر خفي.
والبيت الجديد في المنام رمز للمرحلة الجديدة والتغير في الأحوال، والأصوات رمز للأخبار والرسائل والأفكار التي تشغل البال. فإذا سمع الرائي أصواتا غريبة في بيته الجديد، فقد يدل ذلك على أن المرحلة الجديدة تحمل أمورا لم تتضح له بعد، أو أخبارا ينتظرها. وقد يرمز الصوت إلى صوت داخلي يحاول الرائي تجاهله، كضمير ينبهه أو حدس يحذره أو أمنية تلح عليه. ويختلف المعنى كثيرا بين الصوت الجميل المطمئن والصوت المزعج المقلق، فالأول قد يحمل بشارة، والثاني قد يعكس قلقا أو هما. وفي كل الأحوال يبقى الرمز مفتوحا على أكثر من احتمال.
وقد نُسب إلى ابن سيرين أن الأصوات الحسنة في المنام كقراءة القرآن أو الأذان تدل على الخير والبشارة، وأن الأصوات المنكرة قد تدل على الهم أو الخصومة. وذهب النابلسي في بعض ما نُقل عنه إلى أن سماع الصوت دون رؤية صاحبه قد يدل على خبر يأتي من جهة غير متوقعة. وذهب بعض المفسرين إلى أن الطرق على الباب في المنام قد يرمز إلى طارق خير أو فرصة قادمة. وهذه الأقوال اجتهادات يختلف فيها المعبرون، ولا يُجزم بها، بل تُقرأ بحذر وفي ضوء حال الرائي.
ويتغير المعنى بحسب نوع الصوت ومصدره وشعور الرائي، فإن كان الصوت هادئا جميلا كصوت ماء أو طيور أو ترتيل، فهو أقرب إلى معاني السكينة والبركة في المرحلة الجديدة. وإن كان صاخبا مزعجا كصراخ أو تكسير، فقد يعكس توترا في العلاقات أو ضغطا نفسيا. وشعور الرائي له وزن كبير، فالفضول الهادئ يختلف عن الذعر الشديد. وإن بحث الرائي عن مصدر الصوت فوجده شيئا عاديا كنافذة تهتز أو صنبور يقطر، فهذا يدل على أن ما يشغله أبسط مما يظن.
فإذا كانت الرائية فتاة غير متزوجة وسمعت في بيت جديد صوتا يناديها باسمها بلطف، فقد يحمله بعض المعبرين على خبر سار أو تقدم خاطب. وإن سمعت أصواتا مزعجة، فقد يعكس ذلك قلقها من كلام الناس أو من قرار مصيري. وإذا كانت امرأة متزوجة وسمعت في بيتها الجديد أصوات أطفال يضحكون، فقد يشير ذلك إلى رغبة في الذرية أو بشارة بها. وإن كانت حاملا، فالأصوات قد تكون انعكاسا لترقبها لحظة الولادة. والمطلقة إذا سمعت أصواتا من بيتها القديم داخل الجديد، فقد تعبر عن ذكريات لم تتجاوزها بعد.
وأما الرجل إذا سمع في بيته الجديد صوت الأذان أو القرآن، فذلك من أحسن ما يُرى، وقد يدل على البركة والهداية وعمارة البيت بالطاعة. وإن سمع أصوات نقاش حاد لا يعرف أصحابه، فقد يعكس ذلك ضغوطا في عمله أو خلافات يخشى وقوعها. وإن سمع طرقا متكررا على الباب ثم فتحه فوجد ضيفا كريما، فقد يكون ذلك بشارة بخير قادم. وإن تجاهل الصوت ونام، فقد يرمز إلى تأجيل أمر يحتاج إلى الانتباه.
وللتفاصيل الدقيقة أثر في التفسير، فمكان الصوت مهم، فالصوت الآتي من السقف قد يرمز إلى أمور تتعلق بالمسؤوليات الكبيرة، والصوت الآتي من القبو أو الأسفل قد يرمز إلى أمور مخفية في النفس. والصوت الصادر من غرفة النوم قد يتعلق بالحياة الخاصة والزوجية، ومن المطبخ بالرزق والمعيشة. وإن كان الصوت يأتي من خارج النافذة، فقد يرمز إلى تأثير الآخرين وكلامهم. أما إن توقف الصوت حين ذكر الرائي الله، فذلك إشارة جميلة إلى أن الذكر يطرد القلق.
ومن الناحية النفسية، فإن الانتقال إلى مكان جديد في الواقع يجعل الدماغ أكثر يقظة للأصوات غير المألوفة، وهذا ينعكس في الأحلام بشكل طبيعي. كما أن التفكير المتواصل في أمور غامضة يجعل العقل الباطن يحولها إلى أصوات لا يعرف مصدرها. ولذلك قد تكون الرؤية دعوة إلى ترتيب الأفكار، وكتابة ما يقلق الرائي ومواجهته بهدوء، والحرص على نوم مريح بعيد عن المنبهات والشاشات. والطمأنينة القلبية بذكر الله من أنفع ما يعين على ذلك.
وفي الختام، فإن تفسير الأحلام اجتهاد بشري ظني، ولا ينبغي أن يُبنى عليه حكم بأن في البيت شيئا غير طبيعي أو قرار بترك مسكن. فإن رأى الرائي ما يسره حمد الله، وإن رأى ما يقلقه استعاذ بالله من شر ما رأى ولم يحدث به، فإن ذلك لا يضره بإذن الله. وليحسن الظن بربه، ويحافظ على أذكاره. ويبقى علم الغيب عند الله وحده، فهو السميع العليم الذي لا تخفى عليه خافية.
