رؤية إرضاع الرضيع من الصور التي ترتبط في الأذهان بالحنان والعطاء، وقد يستيقظ صاحبها وفي قلبه دفء أو تساؤل. ومع ذلك فالرؤيا رمزية وليست حرفية، فلا تُقرأ على أنها خبر مؤكد عن أمر في الواقع. فالأحلام تعبر في الغالب عن معانٍ معنوية مثل الرعاية والاحتياج والقيام بالواجب. ولذلك يحسن النظر إلى الإرضاع هنا بوصفه رمزًا للعطاء والتغذية بمعناها الواسع. وكلما اتصل الفهم بحال الرائي كان أنفع وأبعد عن التعميم.
الإرضاع في معناه العام يمثل العطاء المباشر، أن يمنح أحد غيره ما يحتاج إليه ليحيا وينمو. ومن هنا يرمز في الرموز العامة إلى الرعاية والصبر والقيام على أمر ضعيف حتى يقوى. وقد يعكس الحلم شعور الرائي بأنه يمد أمرًا ناشئًا في حياته بما يحتاج، كمشروع أو علاقة أو موهبة. كما قد يعبر عن رغبة في العناية بمن حوله أو في تقوية رابطة طيبة. ويبقى هذا من الاحتمالات لا الجزم.
نُسب إلى ابن سيرين في بعض ما يُروى عنه أن الإرضاع والإطعام في المنام يرتبطان في الغالب بالقيام على شأن الغير وإعطاء ما ينفعه، وأن المعنى يتغير بالتفاصيل. وذهب النابلسي في بعض ما نُقل عنه إلى أن ما يتصل بغذاء الصغار في الرؤيا يشير إلى رعاية وكفالة بحسب حال الرائي. غير أن أهل التعبير اختلفوا في تفصيل هذه الدلالات ولم يتفقوا على قراءة واحدة. كما أن صورة إرضاع الرضيع بخصوصها أقل تناولًا في الكتب القديمة من الرموز الأشهر. فالأقوال المذكورة إشارات عامة لا تقطع بشيء.
للسياق أثر كبير، فالإرضاع الهادئ المطمئن يختلف عن مشهد يغلب عليه التعب أو الارتباك. فإن شعر الرائي بالسكينة والرضيع قانع فالأقرب أن تعكس الصورة رضا عن عطاء يقدمه وتوازنًا في رعايته. وإن شعر بالإرهاق فقد يشير ذلك إلى جهد كبير يبذله يحتاج معه إلى راحة ومساندة. وللمكان والأشخاص المحيطين دلالة كذلك. ويفيد أن يربط الرائي الصورة بما يقدمه فعلًا في أيامه من عطاء.
إذا كانت الرائية أمًا فقد تكون الصورة صدى لانشغالها اليومي بتغذية صغارها ورعايتهم، وما فيه من تعب وجمال معًا. وقد تعكس حاجتها إلى الدعم والراحة والتقدير بعد جهد متواصل. ولا ينبغي أن تحمّل الحلم معنى يخص صحة أبنائها أو تغذيتهم. وإن كان لديها قلق حقيقي بشأن رضاعة رضيع أو قلة تغذيته أو أي أعراض غير معتادة فعليها مراجعة طبيب أطفال فورًا. فالحلم ليس نصيحة طبية ولا بديلًا عن الفحص.
وإذا كان الرائي أبًا فقد يرتبط الحلم بتقديره لجهد من حوله في رعاية الصغار، أو برغبته في أن يسهم في العناية بأسرته. وأما العزباء أو الأعزب فقد تشير الصورة إلى استعداد معنوي للعطاء، أو إلى تطلع نحو بيت يكون فيه دور في الرعاية. ومن ليس له أبناء قد يراها تعبيرًا عن طاقة حب يتمنى أن يبذلها في موضعها. وقد يراها معلم أو موظف يرعى فريقًا أو تلاميذ. فالقراءة الأنسب هي ما يوافق واقعه.
للتفاصيل الدقيقة أثر في الدلالة، منها حال الرضيع أثناء الإرضاع، أهو هادئ أم متلهف، ومدى راحة الرائي، وهل يوجد من يسانده. فالرضيع القانع قد يرمز إلى رضا بما يتلقاه، والمتلهف قد يرمز إلى حاجة ملحة لم تشبع. كما أن شعور الرائي، من حنان أو تعب أو فخر، يعطي الرمز لونًا خاصًا. ومن المفيد أن يتذكر ما شعر به عند الاستيقاظ، أكان رضا أم إرهاقًا أم شوقًا. فذلك الشعور قد يوضح المعنى أكثر من المشهد.
ومن المعاني القريبة أن العطاء الصادق يحتاج إلى مصدر يتجدد، وأن من يعطي دون أن يتزود ينفد رصيده. وقد يكون الحلم دعوة لطيفة إلى الاهتمام بما يغذي الرائي نفسه، من راحة وصحبة طيبة وعلم نافع وعبادة تسكن القلب. ويحسن أن يفكر في ما يقدمه للآخرين وما يتلقاه في المقابل ليحفظ توازنه. فالعطاء المتزن يدوم ويثمر. وبهذا تتحول الصورة إلى دعوة للتوازن بين البذل والتزود.
من الناحية العملية والنفسية قد يكون الحلم دعوة إلى العناية بالنفس، كالنوم الكافي والغذاء المتوازن وأوقات الراحة. وإذا كانت أمام الرائي مسؤوليات جديدة فليستعد لها بخطوات صغيرة متدرجة وليطلب العون من أهله وأصدقائه. والحلم ليس نصيحة طبية، وأي صعوبة في تغذية رضيع حقيقي تستدعي مراجعة طبيب أطفال فورًا. وإن لازمه قلق شديد ومستمر فمن الخير التكلم مع مختص أو أحد الأهل. فمن اعتنى بنفسه استطاع أن يعتني بغيره.
وهذا كله اجتهاد بشري ظني، قد يصيب وقد يخطئ، فلا يُبنى عليه قرار مصيري. والأولى أن يستقبل الرائي رؤياه بحسن الظن بالله وبالدعاء والشكر. وليقل: اللهم اجعل لكل رائٍ عطاءً مباركًا وسكينة وطمأنينة، واكتب له الخير حيث كان. والغيب لا يعلمه إلا الله وحده، وما تخفيه الأيام بيده سبحانه. ومن أحسن الظن بربه بارك الله له فيما يعطي وفيما يأخذ.
