رؤية الرضيع الباكي من الرؤى التي قد توقظ صاحبها على شيء من القلق، لكنها ليست مدعاة للخوف. والرؤيا رمزية وليست حرفية، فلا تدل بالضرورة على أمر سيقع للرائي أو لأحد من أهله. فالأحلام كثيرًا ما تستعير صورًا مألوفة لتعبر عن مشاعر دفينة أو انشغالات اليقظة. ولذلك يحسن أن يُنظر إلى البكاء هنا بوصفه لغة رمزية تعبّر عن حاجة ما. وكلما اقترب الفهم من حال الرائي كان أرحم به وأنفع له.
البكاء عند الرضيع هو وسيلته الأولى للتعبير عن أي احتياج، سواء كان جوعًا أو تعبًا أو رغبة في القرب والاحتضان. ومن هنا فهو في الرموز العامة يشير إلى حاجة تنتظر من يلتفت إليها. وقد تمثل الصورة مشاعر لم يجد الرائي فرصة للتعبير عنها، فظهرت في المنام على هيئة رضيع يطلب الاهتمام. وقد تعكس أيضًا شعورًا بالمسؤولية تجاه أمر يحتاج إلى متابعة. ويبقى هذا احتمالًا من احتمالات عدة لا يجب الجزم به.
نُسب إلى ابن سيرين في بعض ما يُروى عنه أن بكاء الصغار في المنام قد يشير إلى هم أو انشغال بقدر حال الرائي، وأن ذلك يختلف باختلاف التفاصيل. وذهب النابلسي في بعض ما نُقل عنه إلى أن للبكاء دلالات متفاوتة تبعًا لسبب البكاء وهدوئه أو شدته. غير أن أهل التعبير اختلفوا في تفصيل ذلك ولم يتفقوا على قول واحد. كما أن صورة الرضيع الباكي بخصوصها أقل تناولًا في الكتب القديمة من الرموز الأشهر. فالأقوال المذكورة تبقى إشارات عامة لا تقطع بشيء.
يتغير فهم الرؤيا بحسب السياق، فبكاء رضيع يهدأ سريعًا بين يدي من يحتضنه يختلف عن بكاء طويل لا يجد من يسكنه. فإن هدأ الرضيع في الحلم فالأقرب أن تعكس الصورة حاجة وجدت من يلبيها، وهذا يبعث على الأمل. وإن بقي يبكي والرائي عاجز عن تهدئته فقد يشير ذلك إلى شعور بالحيرة أو الإرهاق من أمر يصعب حله. وللمكان والأشخاص المحيطين أثر كذلك في توجيه المعنى. ويستحسن أن يربط الرائي ما رآه بما يعيشه من أحوال.
إذا كانت الرائية أمًا فقد يكون الحلم صدى لانشغالها بصغارها وحرصها على راحتهم وتلبية حاجاتهم. وقد يعكس تعبًا تراكم بسبب السهر والرعاية، وفيه رسالة لطيفة بأنها بحاجة إلى من يعتني بها أيضًا. وقد تكون الصورة مجرد انعكاس لأصوات البكاء التي ألفتها في يقظتها. ولا ينبغي أن تحمّل الأم نفسها قلقًا إضافيًا بسبب حلم، فالرمز لا يدل على شيء يخص صغارها. وإذا كان لديها قلق حقيقي على طفل فليُعرض على طبيب أطفال.
وإذا كان الرائي أبًا فقد يرتبط الحلم بشعوره بثقل المسؤولية ورغبته في أن يوفر لأسرته ما يحتاجون إليه. وأما العزباء أو الأعزب فقد تشير الصورة إلى احتياج داخلي للعناية والاهتمام لم يُلبَّ بعد. ومن ليس له أبناء قد يرى فيها تعبيرًا عن مشاعر مكبوتة أو عن حاجة إلى التنفيس عن النفس. وقد يراها الموظف أو الطالب عند ضغط العمل أو الدراسة. وكل ذلك يتوقف على واقع الرائي وما يشعر به.
للتفاصيل الدقيقة أثر في الدلالة، منها شدة البكاء وصفته وما إذا كان الرائي قادرًا على الاقتراب والمساعدة. فالرضيع الذي يبكي بهدوء قد يشير إلى حاجة خفيفة، والذي يبكي بحرقة قد يشير إلى إلحاح داخلي في النفس. كما أن استجابة الرائي، من احتضان أو إطعام أو تهدئة، قد تدل على استعداده لمواجهة ما يشغله. ويفيد أن يتذكر الرائي مشاعره بعد الاستيقاظ، أهي شفقة أم ضيق أم اطمئنان. فذلك قد يكشف أكثر من المشهد نفسه.
من الجانب العملي والنفسي قد يكون الحلم دعوة للإصغاء إلى النفس وإلى حاجاتها التي طال تأجيلها. ويحسن الاهتمام بالنوم والغذاء والراحة، والكلام مع شخص قريب يُؤتمن عند الشعور بالضيق. وعند الإحساس بمسؤوليات تثقل الكاهل فلا حرج في طلب العون من الأهل والأصدقاء. والحلم ليس نصيحة طبية، وأي بكاء متواصل أو أعراض غير معتادة عند رضيع حقيقي تستدعي مراجعة طبيب أطفال. وإن استمر القلق الشديد فمن الخير التكلم مع مختص أو أحد الأهل.
ومما يساعد على فهم الرؤيا أن يتذكر الرائي ما كان يشغل قلبه قبل النوم، فربما كان البكاء صدى لتعب أو لهمّ مؤجل. وقد يكون الرضيع الباكي صورة لجزء من النفس لم يجد من يصغي إليه فظهر بهذا الشكل. ومن الجميل أن يخصص الرائي وقتًا هادئًا يفرغ فيه ما في صدره، كتابةً أو كلامًا مع قريب يطمئن إليه. فالتعبير عن الضيق في وقته يخفف ثقله ويعيد للنفس توازنها. وبهذا يتحول الحلم من مصدر قلق إلى فرصة لرعاية النفس بلطف.
وهذا كله اجتهاد بشري ظني، قد يصيب وقد يخطئ، فلا يُبنى عليه قرار مصيري. والأولى أن يستقبل الرائي رؤياه بالهدوء وحسن الظن بالله تعالى. وليقل: اللهم اجعل لكل رائٍ طمأنينة تملأ قلبه، وفرجًا قريبًا من كل ضيق. والغيب لا يعلمه إلا الله وحده، وما تخفيه الأيام بيده سبحانه. ومن أحسن الظن بربه هدأ قلبه كما يهدأ الصغير في حضن من يحبه.
