قد يرى النائم رضيعًا في حديقة، يجلس على العشب أو يُحمل بين الأشجار أو يستلقي في ظل وارف. هذه الرؤيا رمزية لا تُقرأ على ظاهرها، وليست إخبارًا عن حدث واقع أو وعدًا بأمر بذاته. والحديقة في عالم الرموز موضع النماء والجمال والانفساح، فإذا اجتمعت مع الرضيع اجتمع معنى البداية الجديدة مع معنى البيئة الصالحة لنموها. ويبقى الإحساس الذي رافق الرائي في المنام، من سكينة أو توتر، أصدق الأدلة على اتجاه المعنى. وما يلي قراءات عامة تحتمل الصواب والخطأ.
الرضيع رمز للبراءة والبدايات الجديدة، ويذكّر بالرعاية والمسؤولية والاحتياج إلى من يسند الضعيف حتى يقوى. وهو لا يعرف تعقيدات الحياة، فيحمل صورة الصفاء الأول الذي قد يشتاق إليه الرائي في زحمة أيامه. وقد يعكس كذلك أمرًا صغيرًا بدأ يتشكل في حياة صاحب الرؤيا، كعلاقة جديدة أو عمل ناشئ أو فكرة تنتظر الرعاية. وحين يظهر في الحديقة، فإن الأخضر والماء والظل تضيف جميعها شعورًا بالانتعاش. ومع ذلك لا يصح الجزم بتأويل واحد لاختلاف أحوال الناس.
نُسب إلى ابن سيرين في أبواب الصغار أن الصغير قد يشير إلى شغل بال وتبعة جديدة يعقبهما فرج بالصبر. وذهب النابلسي في بعض ما نُقل عنه إلى أن الحدائق والبساتين تدل في الجملة على سعة وسرور عند طيب حالها، وأن اختلاف حالها يغيّر الدلالة. وتتفاوت الروايات في ذلك بين الكتب، ومن أهل التفسير من يتوسع ومن يتحفظ. أما اجتماع الرضيع والحديقة في مشهد واحد فهو أقل تناولًا في الكتب القديمة، لذلك يغلب فيه الاجتهاد القائم على الجمع بين المعنيين. ولهذا يُستأنس بالأقوال ولا يُجزم بها.
لسياق الحديقة أثر كبير. فإذا كانت خضراء مرتبة والنسيم لطيفًا، فقد يوحي ذلك بأن الأمر الناشئ في بيئة مواتية ينمو فيها بهدوء. وإذا كانت جافة أو مهملة، فقد تعبّر الصورة عن حاجة إلى الاهتمام بما حول الأمر قبل الاهتمام به نفسه. وإذا كان الرضيع تحت شجرة وارفة فقد يشير إلى حماية وسند قريب، وإذا كان في شمس مكشوفة فقد يدل على حاجة إلى تدبير ووقاية. وكذلك فإن اتساع الحديقة أو ضيقها يوحي بحجم الفرص أو القيود.
إذا كان الرائي أمًا فقد تعكس الرؤيا حرصها على أن يجد أبناؤها مساحة للّعب والنمو، وشوقها إلى أوقات هادئة في الهواء الطلق. وإذا كان أبًا فقد تعبّر عن رغبته في أن يوفر لأسرته بيئة صحية ومريحة، وعن همّ التخطيط لأيامها المقبلة. ولا تدل الرؤيا على حال الأبناء فعلًا، وإنما تظهر ما في الداخل من اهتمام. ولعل فيها دعوة إلى قضاء وقت أطول مع الأسرة في أجواء مفتوحة.
وأما غير المتزوج أو من ليس له أبناء، فقد يرمز الرضيع في الحديقة إلى مشروع جديد يريد له صاحبه أرضًا خصبة، أو إلى رغبة في الاستقرار بعد تعب. وقد تكون الرؤيا لدى الفتاة العزباء صورة لحنان ورقة وتطلع إلى حياة هادئة، دون أن يعني ذلك أمرًا محددًا في مستقبلها. وقد يراها الشاب مرتبطة ببداية دراسة أو عمل ينمو تدريجيًا. وقد يراها كبير السن استحضارًا لأيام الأسرة وصحبة الصغار في الأماكن المفتوحة.
وفي التفاصيل ما يغيّر المعنى، فالرضيع الذي يلمس الزهور أو العشب بفضول يختلف عن الباكي المنزعج. ووجود ألوان زاهية وأصوات طيور يضيف معنى الانشراح، بينما الجو الملبد قد يعبّر عن ترقب. وإذا كان الرائي يحمل الرضيع فهو صاحب الأمر ومتحمل لتبعته، وإذا كان يشاهد من بعيد فهو في موضع المتأمل. ووجود آخرين في الحديقة يشير إلى سند اجتماعي، وخلوّها من الناس قد يشير إلى خصوصية الأمر. ويبقى المعيار الأقرب هو الشعور بعد الاستيقاظ.
من الناحية النفسية والعملية، قد تدعو الرؤيا إلى منح النفس وقتًا للراحة والتنزه، وإلى تهيئة الأمور الجديدة بالتدرج وتقسيم المسؤوليات الكبيرة إلى خطوات صغيرة. ومن الحسن طلب العون من الأهل والأصدقاء حين تثقل الأمور، فالمشاركة رعاية أيضًا. والحلم ليس نصيحة طبية، وأي مرض أو أعراض حقيقية عند رضيع، مثل الحرارة أو الطفح المفاجئ أو الخمول، تستدعي مراجعة طبيب الأطفال فورًا. ومن يخرج برضيع إلى حديقة في الواقع فمن المناسب أن يقيه من الشمس المباشرة والحر، وأن يحرص على ألا يضع في فمه ما يلتقطه من الأرض، وأن يبقيه تحت نظره دائمًا. وهذه الأمور للاطمئنان لا للتخويف، وإن استمر القلق الشديد فالكلام مع مختص أو أحد الأهل نافع.
وخلاصة القول أن رؤية الرضيع في الحديقة تميل إلى معاني النماء الهادئ والبدايات الطيبة تحت الرعاية، وأن ما سبق اجتهاد بشري ظني قد يصيب وقد يخطئ. فليحسن الرائي الظن بالله، وليدعُه أن يجعل ما رآه خيرًا وأن يبارك له في أيامه. وليكن اهتمامه بالعمل والأسباب أولى من إطالة التأويل. والغيب لا يعلمه إلا الله وحده، وهو سبحانه أعلم بما تخبئه الأيام.
