رؤية رضيع يبتسم للرائي نفسه من المشاهد التي تبعث في القلب دفئًا وقبولًا. ومع ذلك فالرؤيا رمزية وليست حرفية، فلا تُقرأ على أنها خبر مؤكد عن أمر في الواقع. فالأحلام تتأثر بالمشاعر والآمال التي تسكن النفس في يقظتها. ولذلك يحسن النظر إلى الابتسامة الموجهة إليه بوصفها رمزًا للقبول والود. وكلما اتصل الفهم بحال الرائي كان أنفع وأبعد عن التعميم.
ابتسامة الرضيع الموجهة إلى شخص محدد تعبير فطري عن الألفة والأمان، فهو لا يبتسم إلا لمن يطمئن إليه. وفي الرموز العامة قد ترمز هذه الصورة إلى القبول والود وإحساس الرائي بأنه محل ثقة ومحبة. وقد تعكس رغبته في أن يُقبل كما هو، أو شعورًا داخليًا بالتصالح مع نفسه. كما قد تدل على علاقة طيبة يتمنى أن تدوم. ويبقى هذا من الاحتمالات لا الجزم.
نُسب إلى ابن سيرين في بعض ما يُروى عنه أن بشاشة الصغار في المنام قد تدل على سرور في بعض الأحوال، وأن المعنى يتغير بحال الرائي. وذهب النابلسي في بعض ما نُقل عنه إلى أن بشاشة الأطفال في وجه الرائي قد تشير إلى قبول وبشرى بحسب التفاصيل. غير أن أهل التعبير اختلفوا في تفصيل ذلك ولم يتفقوا على قراءة واحدة. كما أن صورة الرضيع الذي يبتسم للرائي بخصوصها أقل تناولًا في الكتب القديمة من الرموز الأشهر. فالأقوال المذكورة إشارات عامة لا تقطع بشيء.
للسياق أثر كبير، فالابتسامة التي تأتي بعد تفاعل لطيف مع الرائي تختلف عن ابتسامة عابرة وسط ازدحام. فإن شعر الرائي بالسرور والرضيع قريب منه فالأقرب أن تعكس الصورة ودًّا وقبولًا. وإن كان مهمومًا أثناء الحلم فقد تكون الابتسامة بمثابة تطمين لنفسه. وللمكان والأشخاص المحيطين دلالة كذلك. ويفيد أن يربط الرائي الصورة بعلاقة أو موقف يشغله في أيامه.
إذا كانت الرائية أمًا فقد تكون الصورة صدى لسرورها بابتسامات صغارها وما تمنحه لها من طاقة في أيام متعبة. وقد تعكس حاجتها إلى التقدير والشعور بأن جهدها مرئي ومحبوب. ولا ينبغي أن تحمّل الحلم معنى يخص أبناءها أو أحوالهم. وقد تكون دعوة لها كي تثق بأن عطاءها يصل. وهي أعرف بما يوافق حالها من هذه الاحتمالات.
وإذا كان الرائي أبًا فقد يرتبط الحلم برغبته في أن يرى في وجوه أسرته رضا عنه وعن جهده. وأما العزباء أو الأعزب فقد تشير الصورة إلى حاجة إلى قبول وود، أو إلى ارتياح لعلاقة طيبة بدأت. ومن ليس له أبناء قد يراها تعبيرًا عن شعور بالألفة تجاه من حوله. وقد يراها الموظف أو الطالب عند نيل تقدير من مسؤول أو معلم. فالقراءة الأنسب هي ما يوافق واقعه.
للتفاصيل الدقيقة أثر في الدلالة، منها اتساع الابتسامة، وهل كانت مصحوبة بصوت أو حركة، وكيف كان الرائي يقف أو يجلس عند رؤيتها. فالابتسامة الخفيفة قد ترمز إلى رضا هادئ، والمتسعة قد ترمز إلى فرح ظاهر. كما أن شعور الرائي، من امتنان أو دهشة أو حنان، يعطي الرمز لونًا خاصًا. ومن المفيد أن يتذكر ما شعر به عند الاستيقاظ، أكان ارتياحًا أم أنسًا أم شوقًا. فذلك الشعور قد يوضح المعنى أكثر من المشهد.
ومن المعاني القريبة أن الابتسامة أول لغة يتعلمها الإنسان وآخر ما يفقد أثره، وأن البسمة الصادقة تفتح أبوابًا كثيرة بلا كلام. وقد يكون الحلم دعوة لطيفة إلى أن يبادل الرائي من حوله ابتسامة طيبة وكلمة حسنة. ويحسن أن يلتفت إلى الأوقات الصغيرة التي يُقابل فيها بالود فيشكرها بقلبه. فالامتنان للأشياء الصغيرة يوسع الصدر. وبهذا تتحول الصورة إلى دعوة للتقدير والود.
من الناحية العملية والنفسية قد يكون الحلم دعوة إلى العناية بالنفس، كالنوم الكافي والغذاء المتوازن وأوقات الراحة. وإذا كانت أمام الرائي مسؤوليات جديدة فليستعد لها بخطوات صغيرة متدرجة وليطلب العون من أهله وأصدقائه. والحلم ليس نصيحة طبية، فلا يغني عن استشارة المختص في أي شأن صحي. وإن لازمه قلق شديد ومستمر فمن الخير التكلم مع مختص أو أحد الأهل. فمن شعر بالقبول تجاه نفسه أحسن قبول الآخرين.
وهذا كله اجتهاد بشري ظني، قد يصيب وقد يخطئ، فلا يُبنى عليه قرار مصيري. والأولى أن يستقبل الرائي رؤياه بحسن الظن بالله وبالدعاء والشكر. وليقل: اللهم اجعل لكل رائٍ قبولًا حسنًا وودًّا صافيًا وسكينة، واكتب له الخير حيث كان. والغيب لا يعلمه إلا الله وحده، وما تخفيه الأيام بيده سبحانه. ومن أحسن الظن بربه رأى في وجوه الناس ابتسامة.
