رؤية رضيع يبتسم ثم يغيب في المنام من الصور التي تجمع بين بهجة مفاجئة وغياب هادئ، فتترك في النفس مزيجًا من الأنس والتساؤل. وينبغي التذكير بأن الرؤيا رمزية وليست حرفية، فالغياب فيها لا يدل على سوء ولا على فقد، وإنما هو أسلوب الأحلام في تغيير المشاهد. وقد تكون الصورة انعكاسًا لفرح قصير يريد الرائي أن يطول، أو لأمل يظهر ثم يتوارى. ولذلك يحسن النظر إلى المعاني التالية على أنها احتمالات للتأمل، لا أمور قاطعة عن المستقبل.
يرمز الرضيع في أصل الصورة إلى البراءة والبدايات الجديدة، كما يرمز إلى الرعاية والاحتياج والضعف الذي يستدعي العناية. وتشير الابتسامة إلى الأنس والرضا والتواصل الصافي، أما غيابه بعد ذلك فيشير في الغالب إلى سرعة تبدل الأحوال وعدم دوام الصور في الذهن. فقد يعبّر المشهد عن حاجة الرائي إلى تقدير الأوقات الجميلة حين تأتي، وعن إدراكه أن الأمل يتجدد وإن توارى. ولا يلزم من الرمز معنى واحد ثابت، وإنما هو مدخل لفهم شعور الرائي دون جزم أو تهويل.
نُسب إلى ابن سيرين أن الصغير في المنام يرتبط عمومًا بالهمّ الخفيف أو بالمسؤولية التي تثقل ثم تخف، وأن لحاله أثرًا في المعنى. وذهب النابلسي في بعض ما نُقل عنه إلى أن الابتسامة والفرح في المنام تميل إلى الخير بحسب القرائن، وأن ما يزول سريعًا قد يشير إلى حال عابرة. وتتباين آراء المفسرين في هذه الرموز، فلا يصح الركون إلى قول واحد وإهمال سواه. أما مشهد الابتسامة المتبوعة بالغياب فهو نادر في الكتب القديمة فيما يُعرف، ولذلك يبقى الاجتهاد فيه واسعًا وغير حاسم.
يؤثر السياق في توجيه المعنى تأثيرًا كبيرًا. فإذا غاب الرضيع بهدوء وبقيت في النفس طمأنينة، مال التأويل إلى أن الفرح العابر زاد ينفع الرائي وإن قصر. وإذا غاب وتبعه شعور بالقلق أو البحث عنه، فقد يشير ذلك إلى تعلق الرائي بأمل يخشى ألا يدوم، أو بحاجة إلى طمأنينة أكبر. ويتأثر المعنى كذلك بشعور الرائي عند الاستيقاظ، فالارتياح يختلف عن الانزعاج، وهذا الشعور جزء مهم من القراءة.
إذا كان الرائي أبًا أو أمًّا، فقد يعكس الحلم شعوره بأن مراحل الطفولة تمر سريعة، وأن الأوقات الجميلة مع الصغار ينبغي أن تُعاش بحضور كامل. وقد يدعوه إلى الاستمتاع بالتفاصيل الصغيرة كالضحكة الأولى أو النظرة الصافية. وفي هذه الحال تكون الرؤيا تذكيرًا لطيفًا بقيمة الحاضر. ولا يصح أن تُفهم على أنها إخبار بحال أحد من الأبناء، فهذه أمور لا تُبنى على المنام.
وإذا لم يكن الرائي أبًا أو أمًّا، فقد تعبّر الصورة عن فرصة لاحت ثم غابت عن الذهن، أو عن فكرة جميلة تلمع ثم تتلاشى قبل أن تُكتب. وقد ترمز إلى مزاج متقلب بين الأمل والفتور في مرحلة معينة. والأولى أن يأخذ من الرؤيا معنى أن الأفكار الطيبة تحتاج إلى من يدوّنها ويرعاها. ويحسن أن يحتفظ بدفتر صغير يسجل فيه ما يخطر له من أمور جميلة.
تغير التفاصيل الدقيقة وجه القراءة. فإن كانت الابتسامة واسعة صافية فذلك يميل إلى معنى الأنس الحقيقي، وإن كانت خجولة فقد تميل إلى معنى أمل ما زال في أوله. وطريقة الغياب، هل هي بالانسحاب الهادئ أم بالاختفاء المفاجئ، تضيف إلى الصورة دلالتها، فالهادئ أقرب إلى التجدد والمفاجئ أقرب إلى سرعة تبدل المشاغل. كما أن معرفة الرائي بالرضيع قد تربطه بشخص قريب.
من الزاوية العملية والنفسية، قد تكون الرؤيا دعوة إلى تقدير الأشياء الجميلة الصغيرة في يوم الرائي وعدم انتظار أمر كبير كي يفرح. ويفيد أن يخصص وقتًا لما يبعث على البهجة، كمحادثة مع صديق أو مشي في هواء طلق. وإن كان في أسرته رضيع حقيقي ظهرت عليه أعراض مرضية، فينبغي مراجعة طبيب الأطفال فورًا، فالمنام ليس نصيحة طبية. وإذا استمر القلق أو الحزن شديدًا فترة طويلة، فالكلام مع مختص أو أحد الأهل خطوة نافعة.
ومما يحسن التنبه إليه أن الأحلام تتبدل مشاهدها بلا مقدمات، وأن الغياب في المنام لا يحمل بالضرورة أي معنى سلبي. فالذهن يعرض صوره ثم يطويها، والأثر الذي يبقى هو الشعور الطيب بالابتسامة. وقد يفيد الرائي أن يحتفظ بهذا الشعور لا بتفاصيل الغياب. وبذلك يتحول المشهد إلى هدية صغيرة من الطمأنينة.
وفي الختام، فإن ما ذُكر اجتهاد بشري ظني، يحتمل الصواب والخطأ، ولا يُبنى عليه قرار مصيري. ويحسن بالرائي أن يحسن الظن بالله، وأن يدعوه بالفرح الدائم وصلاح الأهل وطمأنينة القلب. والغيب لا يعلمه إلا الله وحده، وما الرؤى إلا إشارات رمزية تُقرأ بهدوء وتواضع. فليطمئن الرائي، وليستقبل أيامه بقلب هادئ وأمل طيب.
