حين يرى الإنسان صورة الجن في منامه بعد الظهر، كأن يغفو غفوة قصيرة في وقت القيلولة، يستيقظ وهو مشوش الذهن ويتساءل عن سبب ظهور هذه الصورة في وقت يفترض أن يكون هادئًا. والنظرة الهادئة إلى هذا المنام أنه صورة ذهنية رمزية، صنعها الخيال من حكايات وتعب وانفعالات متراكمة، وأن النوم القصير في النهار يجعل الأحلام أوضح وأغرب. فهو ليس إثباتًا لشيء حقيقي، وليس علامة ولا إنذارًا، ولا يخبر عن أمر قادم. وهذا المقال يعرض ما قيل في هذا المشهد بنبرة مطمئنة، مع التأكيد على أن كل ما يُذكر اجتهاد ظني.
النوم في وقت الظهيرة يكون في الغالب قصيرًا وخفيفًا، وقد يدخل صاحبه في مرحلة الأحلام سريعًا، فتأتي صور واضحة وغريبة يعلق أثرها بالذهن عند الاستيقاظ. والجن في لغة الرموز عند بعض المعبّرين يرتبط بما لا يُرى وما يخفى، فيكون ظهوره في هذا الوقت انعكاسًا لما شغل الذهن في ساعات الصباح من أمور. وقد تحمل الغفوة النهارية بقايا الإجهاد والأفكار الجارية. وتختلف الدلالة باختلاف شعور الرائي، فمن استيقظ مرتاحًا غير من استيقظ منزعجًا.
ولقد أرشد القرآن إلى تنظيم الوقت بين العمل والراحة والذكر، قال الله تعالى: ﴿وَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ قَبْلَ طُلُوعِ الشَّمْسِ وَقَبْلَ غُرُوبِهَا﴾ (سورة طه، الآية 130). وفي هذا ما يذكّر بقيمة تقسيم اليوم إلى أوقات يطمئن فيها القلب، وهو ربط عام بحسن التنظيم لا تفسير لحلم محدد. لا ينبغي أن يتحول الاهتمام بتفسير الأحلام إلى انشغال دائم، فالإفراط في تتبع الرموز يرهق النفس، أما الاعتدال في النظر إليها فيجعلها مناسبة للتأمل الهادئ ثم الانصراف إلى ما ينفع في شؤون الحياة.
ذكر بعض المعبّرين أن الرؤيا تتغير دلالتها بتغير حال الرائي وزمانها، وأن لوقت الرؤيا اعتبارًا عند بعض المعبّرين. وذهب بعض المعبّرين إلى أن للأحلام وجوهًا متعددة منها ما يتصل بما في النفس من خواطر. وقد اختلف المفسرون في أثر وقت الرؤيا اختلافًا يمنع من الجزم، فلا يُبنى على قول منها شيء. وتُذكر هذه الأقوال للاسترشاد في طريقة النظر لا لاستخراج توقعات.
وللغفوة بعد الظهر أحوال خاصة، فقد يكون الإنسان قد تناول طعامًا ثقيلًا أو قضى صباحًا متعبًا أو جلس في غرفة حارة، وكلها عوامل تجعل النوم ثقيلًا مضطربًا. وإذا استيقظ فجأة من نوم عميق قصير فقد يشعر بالارتباك لثوانٍ، وهذا طبيعي. وقد تختلط في الحلم أصوات البيت والشارع بالمشهد فتصنع صورة غريبة. وليس في هذا ما يدل على شيء، إنما هو أثر بيئة النوم وحالة الجسد.
وللظهيرة طابع خاص عند كثير من الناس، فهي وقت يخفت فيه النشاط وتثقل فيه الأجفان، وقد يتحول هذا الثقل إلى حلم ثقيل. وحين يكون الإنسان مشغولًا بعمل لم يُنجز أو أمر قلق، فقد يظهر ذلك على هيئة صورة غامضة في الغفوة. وهذا انعكاس لحالة التعب والانشغال لا لشيء خارجي. وكلما نظّم الإنسان وقته وراحته خفّ هذا الأثر.
وتفاصيل الحلم تفيد في فهم الشعور فقط، فهل كان المشهد قصيرًا أم طويلًا، وهل كان الرائي يسمع أصواتًا من الخارج، وهل كانت الغرفة حارة أم مضيئة، وهل زال الأثر خلال دقائق. وكلما زال بسرعة دلّ ذلك على أن الذهن أفرغ ما فيه. وهذه قراءة رمزية عامة لا تتضمن إخبارًا عن شيء ولا تقطع بمعنى.
ومن الجانب العملي فإن جعل القيلولة قصيرة، في غرفة مهواة وهادئة، بعد طعام خفيف، يخفف من الأحلام المزعجة ومن الارتباك بعد الاستيقاظ. وهذا الكلام ليس نصيحة طبية أو نفسية، وإنما إرشاد عام للعناية بالنفس. وإن تكررت الأحلام المزعجة أو أثّرت في النوم والحياة اليومية فالأنسب أن يتحدث الرائي مع مختص أو أحد أهله المقربين. والحديث عن الأحلام مع من يُطمأن إليه يخفف من حدتها.
ولا ينبغي أن يجعل الرائي الحلم ميزانًا لبقية يومه، فالأحلام تأتي وتزول والقلب أثبت منها. والأنفع أن يقوم من فراشه بهدوء، ويغسل وجهه، ويستأنف عمله بنية صالحة. وكلما انشغل الإنسان بما ينفعه بعد الاستيقاظ قلّ أثر الصور العابرة فيه. وفي ذكر الله وحسن الظن به ما يبعث في القلب سكينة تدوم. ومن المفيد كذلك أن يخصص الإنسان لراحته أوقاتًا منتظمة في اليوم، فالجسد يعتاد النظام ويستجيب له بنوم أهدأ وأحلام أخف. وإذا بقي الشعور بالانزعاج بعد الغفوة فلا بأس أن يتحرك قليلًا ويتمشى ويتحدث مع أهل البيت حتى يزول.
وما سبق كله اجتهاد بشري ظني، لا يبلغ اليقين، والغيب لا يعلمه إلا الله وحده. وعلى الرائي أن يحسن الظن بربه ويدعوه بالطمأنينة وراحة البال. ويُرجى لكل من أفزعه منام أن يمنحه الله هدوءًا في قلبه وصفاءً في يومه. والله أعلم بحقيقة ما يُرى في المنام.
