حلم الجن والحكايات مشهد شائع عند من سمع في صغره أو كبره أحاديث مخيفة، ومن الحسن أن يُنظر إليه بهدوء. الرؤيا في أصلها صور رمزية يصنعها العقل من الذكريات والمشاعر، ولا ينبغي أن تُقرأ على ظاهرها. وهذا المقال يعالج المشهد على أنه تفسير نفسي يتصل بأثر ما يُروى في الذاكرة، لا على أنه خبر عن واقع. وما يرد فيه تفسير عام محتمل يتفاوت من رائٍ إلى آخر. فليكن القارئ مطمئنًا وهو يتابع.
الحكايات في عالم الرموز مادة خام للخيال، تدخل الذاكرة بصور وأصوات ثم تعود في الأحلام بأشكال جديدة. والعقل لا يفرّق في النوم بين ما سمعه وما عاشه، فيعيد ترتيبه في مشاهد حيّة قد تبدو حقيقية. أما الجن في الخيال الشائع فهو رمز لما لا يُرى ولا يُعرف، وكثير من الحكايات المتداولة يعتمد على المبالغة وتوارث الأقاويل. وقد يكون المعنى القريب أن الذهن يستحضر ما سمعه من حكايات حين ينام فيتحول إلى صورة مخيفة. وهي قراءة نفسية قريبة لا تدل على شيء حقيقي.
لا ينبغي أن يتحول الاهتمام بتفسير الأحلام إلى انشغال دائم، فالإفراط في تتبع الرموز يرهق النفس، أما الاعتدال في النظر إليها فيجعلها مناسبة للتأمل الهادئ ثم الانصراف إلى ما ينفع في شؤون الحياة. تتشكل صور المنام في الغالب من خبرات اليوم وما علق بالذهن من مشاهد وكلمات وهموم، ولذلك لا يلزم أن يبحث الرائي عن معنى خفي وراء كل تفصيل، فبعض الصور تعبّر عن مشاعر متراكمة وتنتهي بانتهاء النوم. يحسن بالرائي أن يستقبل ما رآه بهدوء، فيتذكر أن كثيرًا من الصور التي تمر في المنام تعبّر عن مشاعر اليوم وأفكاره، وأن النفس تهدأ حين لا تُحمَّل الصورة العابرة أكثر مما تحتمل، ثم يعود إلى يومه مطمئنًا.
يذكر بعض المعبّرين أن الأحلام تُفسَّر بحسب حال الرائي وما يحيط به، وأن الصورة المخيفة قد تختلف دلالتها اختلافًا واسعًا. وذكر بعض المعبّرين أن الأضغاث من الأحلام ما يكون من حديث النفس وما يشغلها، وهذا معنى مشهور في أبواب التعبير وإن اختلفت العبارات. وذهب بعض المعبّرين إلى أن ما يرى الإنسان من أحلام قد يكون من انشغال نفسه بما سمع ورأى، دون جزم بذلك. وتتعدد الأقوال تعددًا كبيرًا. ولذلك لا يصلح الاعتماد على قول واحد.
وللسياق أثر كبير في فهم الصورة، فالحكايات المخيفة تترك أثرها أكثر حين تُسمع في الليل أو قبل النوم مباشرة. وقد تتضخم في الذاكرة إذا تكررت على مسامع الصغار أو الكبار في الجلسات الليلية. وقد يرتبط أثرها بشخصية حساسة تتأثر بالخيال سريعًا. وقد تزداد حين يكون الرائي متعبًا أو قليل النوم فيضعف تمييز الذهن. وهذه كلها أسباب قريبة معروفة.
وتختلف دلالة المشهد بحسب نوع الرائي، فالصغير الذي سمع حكاية مخيفة قد يظهر أثرها في نومه، وهذا يخص الصغار عمومًا لا طفلًا محددًا. والشاب قد يحمل المشهد عنده أثر جلسة سمر أو مقطع شاهده. والأم أو الأب قد يتأثران بما يُروى في جلسات الأسرة. وكبير السن قد يستعيد حكايات سمعها في صباه وبقيت في ذاكرته. ومن اعتاد المشاهدة الكثيرة قد يمتلئ ذهنه بصور تعود في الأحلام.
وتفاصيل المشهد تضيف معاني محتملة، فأن تأتي الصور مطابقة لما سمعه الرائي قد يدل على أنها مأخوذة منه. وأن تختلط بوجوه مألوفة وأماكن يعرفها قد يرتبط بطبيعة الأحلام في خلط المعلوم بالمتخيل. وأن تهدأ إذا ابتعد الرائي عن سماع ما يخيف قد يدل على أثر المصدر. وأن يستيقظ الرائي فيتذكر مصدر الصورة أمر شائع. وكل ذلك احتمالات ظنية لا تُجزم.
والزاوية العملية والنفسية أن الابتعاد عن الحكايات المخيفة قبل النوم من أنفع ما يخفف هذه الأحلام، وأن ينتقي الإنسان لسمعه وبصره ما يسر ويفيد. ومن الحسن أن يتحدث الرائي عما سمعه مع أهله ليعيده إلى حجمه الطبيعي كحكاية لا أكثر. وليس هذا الحلم نصيحة طبية أو نفسية، فإن تكررت الأحلام المزعجة أو استمر القلق في النهار فمن الحسن عرض الأمر على طبيب أو مختص. وتبديل الحديث المخيف بحديث مريح قبل النوم يغيّر شكل الأحلام. والعناية بالنوم والراحة تفيد كثيرًا.
ومما يطمئن أن أثر الحكايات في الأحلام أمر مألوف عند كثيرين، وأنه يزول غالبًا مع الابتعاد عن مصدره. فالحكاية تبقى حكاية، والحلم صورة تصنعها الذاكرة ثم تنساها. ولا حاجة إلى أن يحمّل الرائي الحلم أكثر مما يحتمل. ويحسن أن يبدأ يومه بعمل يحبه وبحديث دافئ مع من يأنس بهم. وحسن الظن بالله أصل كل طمأنينة.
وختامًا فإن ما سبق اجتهاد بشري ظني لا يدّعي الجزم، والعلم بحقيقة الأحلام عند الله وحده. فليدعُ الرائي ربه بالسكينة وراحة البال، وليحسن الظن به سبحانه. والغيب لا يعلمه إلا الله، وليس في هذا الحلم ما يوجب الخوف. فليمضِ مطمئنًا إلى يومه.
