قد يرى النائم أنه يقترب من كائن مجهول في منامه، فيستيقظ وفي صدره مزيج من الجرأة والخوف، ويتساءل عمّا يعنيه هذا الاقتراب. والقراءة الهادئة ترى أن الاقتراب في الحلم يعبّر عن حركة نفسية نحو أمر غامض، أي عن رغبة في المواجهة أو الفهم أو الحسم. فهو صورة ذهنية تعبّر عن مشاعر الرائي، لا عن لقاء حقيقي مع أحد. وهذه الرؤيا لا تخبر بشيء، وهي قراءة رمزية هادئة، قصدها الطمأنة والتهوين.
الاقتراب في لغة الرؤى يرمز إلى الإقدام والمواجهة والسعي نحو أمر محدد. فإذا كان المقترَب منه مجهولًا، فقد يعبّر الحلم عن رغبة الرائي في مواجهة موقف غامض في حياته، كقرار مؤجل أو شعور مكبوت أو علاقة غير واضحة. ويدل الاقتراب على أن الذهن مستعد لهذه المواجهة، ولو شعر الرائي بالخوف في أثنائها. وقد يعبّر أيضًا عن فضول ممزوج بالشجاعة. وتبقى هذه كلها قراءات نفسية لا تتجاوز حدود الاحتمال.
وقال الله تعالى: ﴿ٱلَّذِينَ ءَامَنُوا۟ وَتَطْمَئِنُّ قُلُوبُهُم بِذِكْرِ ٱللَّهِ ۗ أَلَا بِذِكْرِ ٱللَّهِ تَطْمَئِنُّ ٱلْقُلُوبُ﴾ (سورة الرعد، الآية 28). وفي هذه الآية ما يذكّر بأن القلب إذا اطمأن بذكر الله أقدم على الأمور بسكينة لا بتهور، وأن الثبات من نعم الله. ولا تُنزَّل الآية على الحلم كأنها تفسيره. من الأنفع للرائي بعد الاستيقاظ أن يهدأ قليلًا، فيشرب ماءً ويتنفس بعمق ويتذكر أن ما مرّ به صورة ذهنية عابرة، فإن الانشغال بها طويلًا لا يزيدها إلا حضورًا في الذهن، أما الانصراف إلى أمور اليوم فيعيد للنفس توازنها.
وفي كتب التعبير القديمة نظر إلى الاقتراب والابتعاد في الرؤى، ومما ذكره بعض المعبّرين أن للحركة نحو الشيء دلالة تتبع حال الرائي ووجهة سعيه. وذهب بعض المعبّرين إلى اعتبارات قريبة. وتتباين الأقوال في هذه الصور، ولا يمكن الجزم بقول محدد منهم في هذه الصورة. فهو اجتهاد ظني يُعرض على سبيل الاحتمال، ولا يُبنى عليه قرار.
ولسياق الحلم أثر. فإن كان الرائي مقبلًا على مواجهة في عمله أو أسرته، فقد يتجسد الاستعداد في صورة اقتراب. وإن كان قد قرر أن يتخلص من خوف قديم، فقد يعبّر الحلم عن هذه الرغبة. وإن كان قد شاهد قبل نومه محتوى فيه مواجهة مع غامض، فقد يعيد الذهن التمثيل. وإن كان في مرحلة تأمل وتجريب، فالاقتراب صورة مناسبة لحالته. وكل ذلك يؤكد أن الحلم ثمرة ما في الرائي من استعداد.
وتتفاوت الدلالة بين الرائين. فالمقبل على مقابلة وظيفية قد يعبّر اقترابه عن استعداده. والذي يستعد لمصالحة قريب قد يتجسد استعداده في صورة اقتراب. والطالب الذي سيواجه موضوعًا صعبًا قد يرى حلمًا فيه إقدام. والأطفال يلعبون في أحلامهم أدوار الشجاعة كما يلعبونها في ألعابهم. ولا يلزم أحدًا أن يعتبر هذه الاحتمالات معنى ثابتًا.
وفي التفاصيل ما يُتأمل. فإن كان الاقتراب بطيئًا حذرًا فهو أقرب إلى إقدام متدرج، وإن كان سريعًا فهو أقرب إلى اندفاع. وإن توقف الرائي في منتصف الطريق فقد يعبّر عن تردد طبيعي. وإن كان المقترَب منه يبتعد كلما اقترب الرائي فهذا من طبيعة الأحلام التي تغير المسافات، وقد يعبّر عن أن بعض الأمور تحتاج إلى وقت. وتتبدل المشاهد في الأحلام فيصير الغامض مألوفًا أو يتلاشى، وهذا يؤكد أنه صورة.
ومن الجانب النفسي، فإن مواجهة المخاوف بالتدرج من أساليب النفس السليمة، وأحلام الاقتراب قد تعبّر عن هذا الميل. ويفيد أن يقسّم الإنسان ما يخافه إلى خطوات صغيرة، وأن يستشير أهل الخبرة، وأن ينظم نومه. وهذا ليس نصيحة طبية أو نفسية. وإن تكررت الأحلام المخيفة وأثّرت في نومه أو عمله أو مزاجه، فمن الحسن أن يعرض الأمر على طبيب أو مختص، وأن يتحدث مع أحد أهله.
ومما يطمئن أن الاقتراب من الغامض في الأحلام لا يترتب عليه شيء في الواقع، فكل ما في الأمر صورة تمثل الاستعداد للمواجهة. وقد يجد الرائي بعد الاستيقاظ أن شعوره بالشجاعة بقي معه، وهذا طيب فليبن عليه في يومه بالعمل الهادئ. وليس عليه أن يبحث عن تفاصيل الكائن أو يصفه، فالوصف يغذي الخوف. والأحرى أن ينتقل إلى ما ينفع من أعماله وصلاته وأهله. وإذا شعر ببقية من التوتر فلا بأس أن يجلس هادئًا مع أحد أهله، فالسكينة تأتي بالأنس والعبادة والحديث الطيب. وليتذكر أن الشجاعة الحقيقية في اليقظة هي الصبر والعمل الحسن، لا مطاردة الصور.
وفي الختام، فكل ما سبق اجتهاد بشري ظني لا يبلغ اليقين، والغيب لا يعلمه إلا الله وحده. وحسن الظن بالله أصل السكينة، والدعاء بالثبات والطمأنينة خير ما يُقال. وليمض الرائي إلى يومه مطمئنًا. والله أعلم.
