حين يرى الإنسان في منامه صورة الجن في جو بارد، يستيقظ وهو يشعر بقشعريرة أو ثقل، ويتساءل عن معنى هذا الاجتماع بين البرودة والصورة المخيفة. والنظرة الهادئة إلى هذا المنام أنه صورة ذهنية رمزية، صنعها الخيال من حكايات وإحساسات جسدية وانفعالات متراكمة. فهو ليس إثباتًا لشيء حقيقي، وليس علامة ولا إنذارًا، ولا يخبر عن أمر قادم. وهذا المقال يعرض ما قيل في هذا المشهد بنبرة مطمئنة، مع التأكيد على أن كل ما يُذكر اجتهاد ظني.
البرودة في لغة الرموز عند كثير من المعبّرين ترتبط بالجمود والبعد وقلة الأنس، كما أن الجن عند بعضهم يرتبط بما لا يُرى وما يخفى. فاجتماعهما في المنام قد يُقرأ رمزيًا على أن الذهن يعبّر عن شعور بالغربة أو بالفتور أو بالحاجة إلى دفء الأنس. وهذه قراءة رمزية عامة لا جزم فيها. وتختلف الدلالة باختلاف شعور الرائي، فمن أحس بالبرد الجسدي غير من أحس ببرود المشاعر.
حين يستيقظ الإنسان من منام أقلقه فخير ما يفعله أن يهدأ ويجلس في مكان مضيء إن شاء ويتذكر أن ما رآه لا يغيّر شيئًا في واقعه، ثم يبدأ يومه بعمل بسيط يعيد إليه الإحساس بالأمان والاعتياد. من الأنفع للرائي بعد الاستيقاظ أن يهدأ قليلًا، فيشرب ماءً ويتنفس بعمق ويتذكر أن ما مرّ به صورة ذهنية عابرة، فإن الانشغال بها طويلًا لا يزيدها إلا حضورًا في الذهن، أما الانصراف إلى أمور اليوم فيعيد للنفس توازنها. ومن هدي الدين في ذلك الاطمئنان وعدم الانشغال بما يكدّر الخاطر. ويكفي الرائي أن يستحضر هذا المعنى حتى يهدأ قلبه ويعود إلى يومه.
ذكر بعض المعبّرين أن الرؤيا تتغير دلالتها بتغير حال الرائي وزمانه وما يمر به، وأن الرمز الواحد لا يحمل وجهًا واحدًا. وذهب بعض المعبّرين إلى أن للأحلام وجوهًا متعددة منها ما يتصل بما في النفس من خواطر، ومنها ما يتأثر بحال الجسد. وقد اختلف المفسرون في هذه الرموز اختلافًا يمنع من الجزم، فلا يُبنى على قول منها شيء. وتُذكر هذه الأقوال للاسترشاد في طريقة النظر لا لاستخراج توقعات.
ومن الناحية الجسدية العامة فإن برودة الغرفة أو انكشاف الغطاء أثناء النوم أو الجلوس قرب مكيف قوي قد ينعكس على الحلم، فيصنع الدماغ مشهدًا باردًا يتناسب مع الإحساس الواقعي. وحين يقترن البرد بصورة مخيفة فهذا تركيب بين إحساس جسدي وصورة ذهنية، لا أكثر. ولهذا يكثر هذا النوع من الأحلام في الأيام الباردة أو حين تكون التدفئة غير مناسبة. وتعديل حرارة الغرفة قد يخفف من هذه المشاهد دون أي حاجة إلى تأويل.
وقد يعبّر البرد عن حال داخلية أيضًا، كشعور بالوحدة أو الغربة أو قلة التواصل مع الآخرين. فالنفس حين تفتقد الأنس تميل إلى تجسيد ذلك في صور باردة ومظلمة. وهذا لا يعني أن شيئًا خارجيًا يحدث، وإنما يعني أن القلب يحتاج إلى مزيد من القرب ممن يحب. ومن الحسن أن يصل الإنسان رحمه ويزور أصدقاءه ويشارك أهله مجالسهم، فالأنس يذيب برودة الليل ويخفف من ثقله.
وتفاصيل الحلم تفيد في فهم الشعور فقط، فهل كان البرد جسديًا أم شعوريًا، وهل كان المكان مألوفًا أم غريبًا، وهل كان الرائي وحده، وهل زال الأثر بعد الاستيقاظ أم بقي. وكلما خفّ الأثر دلّ ذلك على أن الذهن أفرغ ما فيه. وهذه قراءة رمزية عامة لا تتضمن إخبارًا عن شيء ولا تقطع بمعنى محدد.
ومن الجانب العملي فإن ضبط حرارة الغرفة، واختيار غطاء مناسب، والنوم المنتظم، والابتعاد عن المحتوى المرعب قبل النوم، تخفف من حدة هذه الأحلام. وهذا الكلام ليس نصيحة طبية أو نفسية، وإنما إرشاد عام للعناية بالنفس. وإن تكررت الأحلام المزعجة أو أثّرت في النوم والحياة اليومية فالأنسب أن يتحدث الرائي مع مختص أو أحد أهله المقربين. والصحبة الدافئة خير ما يطرد برد الوحشة.
ولا ينبغي أن يجعل الرائي الحلم ميزانًا لما حوله، فالأحلام تأتي وتزول والقلب أثبت منها. والأنفع أن يوجه قلبه إلى ذكر الله وحسن الظن به والأنس بالأهل والعمل النافع. وكلما امتلأ القلب بهذه المعاني قلّ أثر الصور الباردة فيه. ومن عوّد نفسه على الامتنان لما عنده من نعم، وجد في الليل دفئًا لا تحجبه الأحلام. ومن المفيد أن يتناول الإنسان في الأيام الباردة عشاءً دافئًا خفيفًا وأن يهيئ فراشه قبل النوم بوقت كافٍ، فالجسد الدافئ يستسلم للنوم أسرع ويقل تقطعه. وحين يهدأ الجسد تهدأ كثير من الصور المقلقة التي يصنعها الذهن في الليل.
وما سبق كله اجتهاد بشري ظني، لا يبلغ اليقين، والغيب لا يعلمه إلا الله وحده. وعلى الرائي أن يحسن الظن بربه ويدعوه بالطمأنينة وراحة البال. ويُرجى لكل من أحس ببرودة في ليله أن يمنحه الله هدوءًا في قلبه وأنسًا في بيته. والله أعلم بحقيقة ما يُرى في المنام.
